الكرم اسم جامع لأنواع عديدة من البر والإحسان ومن أنواعه كرم بذل المال والانفاق أو ما يسمى بالجود والسخاء والإيثار، ومنه كرم النفس عما في أيدي الناس، وعلى المسلم ان يجيب داعي الكرم لأنه من علامات البر، قال تعالى «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وقد مدح الله الكرماء المنفقين أموالهم في سبيله وطمأنهم على الأجر والمثوبة منه سبحانه فقال:

«الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وفي الحديث «السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار.

ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل» رواه الترمذي» فلننظر المفارقة الواضحة التي تبين قيمة البذل في سبيل الله وعاقبة البخل والإمساك وبين مآل البخيل رغم عبادته ومآل السخي رغم جهله ونزقه، ويوضح هذا قوله تعالى «هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه والله الغني وأنتم الفقراء».

حقيقية لامراء فيها أن العطاء والصدقة نبع يجرف بفيض مائه وسيله كل أدران وأقذار الحياة فضلا عن كونه دواء يعالج أدواء الفقر والمساكين والمحتاجين، بل يعالج أدواء المرضى المنفقين مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم «داووا مرضاكم بالصدقة» والواقع مليء بقصص وأمثلة شاهدة على ذلك وتبين ان كثيرا ممن أنفقوا وتصدقوا بنية مداواة المرض شفاهم الله وعافاهم فبرئوا بعد علة ونشطوا بعد خمول.

والعطاء في السر بركة للمال وعد بها الرزاق سبحانه «قل ان الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين».

ولا يقتصر الأنفاق على المال بل يشمل الجود أنواعا عديدة ذكرها ابن القيم في مدارج السالكين ومن أعلى مراتب الجود ،الجود بالنفس، ومن مراتب الجود، الجود بالرياسة فيقضي المسلم حاجات الناس على امتهان رياسته، ومنها الجود بالراحة والرفاهية فيتعب للناس ولقضاء مصالحهم، ومنها الجود بالعلم وبذله.

وهو أفضل من الجود بالمال لعلو شرف العلم على المال، ومنها الجود بنفع الآخرين بالجاه كالشفاعة لهم والمشي إلى ذي السلطان من أجلهم والتوسط لهم، ومنها الجود بنفع البدن بكل أنواعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

« يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين اثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها الرجل إلى الصلاة صدقة، يميط الأذى عن الطريق صدقة».

وبهذا كله بين النبي أنواعا عديدة من الصدقة وأوجه الإنفاق، ومن الجود الجود بالعرض وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه، ومنها الجود بالصبر والاحتمال فيملك نفسه وهذه مرتبة لا ينالها إلا كبار النفوس، ومنها الجود بالخلق والبشر وبسط الوجه وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم:

« لاتحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه» ومنها الجود بترك ما في أيدي الناس عليهم، فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له بقلبه ولا يتعرض له بحاله ولا بلسانه.

فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد: وإن لم أعطك ما تجود به على الناس فجد عليهم بزهدك في أموالهم وما في أيديهم تفضل عليهم وتزاحمهم في الجود وتنفرد عنهم بالراحة، ولكل مرتبة من مراتب الجود مزية وتأثير في القلب، والكرم أحد أسباب سعادة العبد في دينه ودنياه متى ما تلمس حاجة الضعيف فقضاها وتحري رغبات المحتاج فسدها عندئذ يشعر بالسعادة الغامرة وبأخوة شديدة الأواصر والروابط مع من ساعدهم كما يحس بتقوية صلته بدينه عالما أنه لن يحرم المرء كبخله في الحقوق .

ولن يسبق به عند ربه كجوده وثقته في الله فيحصن ماله بالزكاة والصدقة ـ مخلصا عمله لله لا يداخل نفسه عجب ولا رياء يفسد عليه عمله ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم «حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا أمواج البلاد بالدعاء والتضرع» رواه أبو داود وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني:

« صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر» فالصدقة تزيد المال بركة والله يخلف على المنفق، قال تعالى «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين».

وقال جل شأنه في الحديث القدسي « يا عبدي أنفق أنفق عليك» والله يجيب دعاء الملكين كل يوم يخلف على المنفق ويعوضه خيرا مما أنفق، قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» متفق عليه.