أكاد أستطيع أن أجزم أن هنا محاولات كثيرة لتفخيخ الحجاب وتدميره والانتهاء منه، بصورة واضحة ومباشرة أحياناً وبصورة خفية مستقرة أحياناً أخرى ولا بد من الانتباه إلى هذه المحاولات والتنبيه إليها على الرغم من وضوح ضعفها وتهافتها.

الحجاب ركن وفرض على كل امرأة مسلمة دون تمييز وهو يعني ستر كامل الجسد ما عدا الوجه والكفين ولا يمكن التساهل في أي جزئيه تتصل بهذا التعريف، ومن شروط هذا الحجاب أنه لا يصف ولا يشف ولا يلفت الأنظار.

وقد نشأنا وكبرنا ونحن نرى النساء المحجبات لا يعيقهن حجابهن عن التعلم والتعليم والعمل والجد، بل لعل في المحجبات نسبة أكبر من المشاركين في أنشطة المجتمع على مستوى النخب في كل المجالات لخلو حياتهن مما يشغل غيرهن من الترهات وهذا واضح ولا تخطئه عين.

ولا اعرف سبباً لإنزعاج البعض من الحجاب انزعاجاً يخلط بين الخوف والبغض والازدراء، مع أنه مجرد زي تلبسه المرأة المسلمة يحمل إشارة إلى المحيط بأن صاحبته لا تميل إلى أي لهو أو عبث أو ما يوصل إليهما، فنحن نسمع ونقرأ من يروق له أن ينسب إلى الحجاب كل معاني التخلف والجهل والعطالة، ومن يحمل الحجاب مسؤولية كل فشل أو هدر أو هزيمة في حياتنا العربية والمسلمة، بل ومن ينسب إلى الحجاب الرذيلة وسوء الأخلاق باعتبار الحجاب خير ساتر للخطيئة.

فإن تركنا تهافت أمثال هؤلاء المثقفين ورأينا أن دولاً بأكملها حاربت الحجاب وأصدرت قوانين تحظره وتعاقب عليه، وفي أحسن الأحوال إن سمحت فإنها تمنعه في الوظائف والمدارس والمؤسسات الحكومية والأمثلة عن هؤلاء كثيرة ومعروفة للجميع.

ثم شن محررو المرأة ـ وأكثرهم رجال- حرباً ضروساً على الحجاب وانتهوا بأدبياتهم وفنونهم إلى أن وعي المرأة يتناسب طرداً مع عريها، والحرية لا تكون إلا بخلع الحجاب واختزال الثياب، وصدقت المراهقات هذا العبث مع ما يرافقه من فنون هابطة وقصص غرام مريضة، وجمل إثم هؤلاء من لا يراعي لله حرمة ولا عهداً.

من أجمل ما يصف المرأة حياؤها، وقد هوى أعداء الإسلام ورموزه بمعاولهم على هذا الحياء، فتحولت بعض النساء إلى شيطانات بأجسادهن العارية وأفكارهن القبيحة وأعمالهن القميئة وطرق كلامهن السفيهة... عندها ارتاح أنصار تحرير المرأة وراق لهم الفسوق والفجور.

كل هذا .... ونحن نتحدث عن حرب سافرة أو معلنة، أما ما قصدناه بتفخيخ الحجاب فله قصة أخرى لا نستطيع التفصيل فيها لضيق المكان.

وتبدأ هذه القصة من بعض الشاذين والشاذات ممن تصوروا أنفسهم أنهم قد بلغوا مستوى القدرة على الاجتهاد فراحوا يتحدثون عن إسلام فيه سفور وفجور وخمور، وانساق كثيرات وكثيرون وراء هذا العمى القلبي وكفى الله المؤمنين شر القتال.

بعض من نسبوا أنفسهم إلى العقلانية ليقرروا أمام الناس أن الحجاب لم يكن في عهد الرسول الأعظم وصحابته، وأنه من ورث العباسيين كيف ومتى يجيبك عن هذا بهلوانيات عجيبة وغريبة .

ثم ظهرت قصة الفنانات المعتزلات، فقد اعتزل الفن بعض الفنانات وتحجبن واستبشر الناس خيراً وإن كانوا قد حملوا هذه التوبة أو الأوبة أكثر تحمل، لأن الإسلام لا يحتاج إلى شهادة من أمثال هؤلاء مع بساطة عقولهن وتسطح أفكارهن، وقلنا يومها لعل في توبتهن ما يغري محبيهم من الشباب والشابات بالعودة إلى الاهتمام والسؤال عن الإسلام. ولكن الأمر تجاوز هذا الحد، وفي حين كنا ننتظر من هؤلاء الفنانات أن يكتفين بالحديث عن خبرتهن في التوبة إلى الله والعودة إلى العفاف رحنا نرى منهن من يتنطعن للفتوى وفي هذا حيف كبير.

وأخيراً بدأت الفنانات المحجبات -كما يفترض- يظهرن في قنوات الإعلام الإسلامي الفضائي بوجوه لا ينقصها زينة التجمل ـ وجوه تقترب الكاميرات منها إلى حدود تنافي معنى الحجاب وغض البصر- وبحجاب يحتاج إلى حجاب، وبعباءة تحتاج إلى عباءة، وشاع بين الناس هذا النوع من الحجاب الملفت للنظر بأشكاله وألوانه مما راح يبدد معنى الحجاب وضرورته وشروطه، وهكذا فخخ الحجاب ولم يبق للانفجار إلا دقائق.