المِثْل، بكسر الميم، والمَثل، بفتحها، يجمعان على: أمثال، ويميز بينهما بالقرائن. فمن الأول قوله تعالى:«إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ» (الأعراف:194). ومن الثاني قوله تعالى:«وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ» (العنكبوت:43). فالأمثال الأولى جمع: مِثل، بكسر الميم، والأمثال الثانية جمع: مَثل، بفتح الميم، لاقترانها بفعل الضرب، بدليل قوله تعالى: «ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً» (الروم:28).
واشتقاقهما من (الميم، والثاء، واللام)، وهو أصل يدل على مماثلة الشيء للشيء. والمماثلة هي المساواة التامة بين شيئين، إما في تمام الذات، وإما في تمام الأحوال والصفات. فإذا كان المراد بالمماثلة تمام الذات، استعمل لها لفظ (المِثل)، بكسر الميم، وإذا كان المراد بها تمام الأحوال والصفات، استعمل لها لفظ (المَثل) بفتح الميم. وعلى ذلك يقال: هذا مِثلُ هذا، بكسر فسكون، إذا كان مساوياً له في تمام الحقيقة والماهيَّة.
ويقال: هو مَثله، بفتحتين، إذا كان مساوياً له في تمام الأحوال والصفات الخارجة عن الحقيقة والماهية. ولو كان المِثل، والمَثل سيَّان، للزم التنافي بين قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (الشورى:11)، وقوله: «وللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَيَ» (النحل:60). فالأولى نافية له، والثانية مثبتة له.
ومن المماثلة في تمام الذات، أو الحقيقة والماهيَّة قوله تعالى يحكي قول الكفرة لرسلهم: «إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا» (إبراهيم:10). فاعتبروا المساواة في البشرية، ومماثلة المجانسة فيها، واستدلوا بذلك على أن حكم أحد المِثلين حكم الآخر. فقالوا: كما لا نكون نحن رسلاً؛ فكذلك أنتم. فإذا تساوينا في حقيقة الذات البشرية، فأنتم مثلنا، لا مزية لكم علينا. وهذا من أبطل أنواع القياس. وأجاب رسلهم عن ذلك بقولهم: «إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ» (إبراهيم:11).
وقوله تعالى: «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ» (ص:43) قيل في معناه: وهبنا له أهله، ومثلهم معهم، حتى كان له ضعف ما كان رحمة منا. والضِّعفُ ـ كالمِثْل ـ من الألفاظ المتضايفة، التي يُقتضَى وجودُ أحدهما وجودَ الآخر؛ كالنِّصْف، والزَّوج؛ وهو ترَكُّبُ قَدْريْن متساويين. فإذا قيل: أضعفت الشيء، وضعَّفته، وضاعفته، فإنك تريد: ضمَمْت إليه مِثله، فصاعداً. والفرق بينهما: أن الضِّعفَ يختَصُّ بالعدد، بخلاف المِثْل.
ومن المماثلة في تمام الأحوال قول الله تعالى:« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ» (البقرة:214). أي: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به مَن قبلكم، فتصبروا كما صبروا؟ فالمراد من قوله تعالى «مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا»: حالهم التي كانوا عليها؛ ليقاس عليها حال أخرى تماثلها في الشدة. وقوله تعالى: «مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ» بيان لهذا المَثَل.