عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في المسجد، فقال الناس حرمت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيها الناس ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أنا أكره ريحها» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الإمام مسلم في صحيحه.
إن الإسلام يحب المسلم أن يكون طيب النفس طيب الظاهر وطيب الباطن كما يحب أن يكون مظهره حسن فإن الله جميل يحب الجمال ولابد للمسلم أن يكون طيب الرائحة حتى يكون محبوباً لدى الآخرين.
والحبيب المصطفى يتحدث عن شجرة البصل على وجه الخصوص والثوم ومن كان على شاكلتها من جهة العموم لأن للبصل رائحته الكريهة تتأذى منها الملائكة الكرام وكذلك الإنسان فأوصى من أكل هذه الشجرة فلا يصلي الصلاة المكتوبة في المسجد جماعة حتى لا يتأذى منه الأصدقاء والإخوان في المسجد وبالتالي تتأذى الملائكة من هذه الرائحة، هذه كرامة الإسلام دين الطهر والصفاء والنقاء يحرص على شعور الناس جميعاً، إنه دين الرحمة الهدى وصدق الله إذ يقول «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
وعندما قال الحبيب هذه العبارة من أكل هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا في المسجد فهم بعض الناس أنها شجرة محرمة فبلغهم الرسول عندما علم قائلاً: «أيها الناس أنا لا أحرم شيئاً حلله الله إلي ولكن هذه الشجرة أنا أكره ريحها صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله وبناء على ذلك يجب أن يؤكل البصل مطبوخاً حتى تذهب رائحته وأن يحرص المسلم على أن يكون نظيفاً نقياً طاهراً مطهراً في مظهره .
وفي مخبره لأن الرسول قدوة لنا « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ». «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في المسجد فقال الناس حرمت فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيها الناس ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أنا أكره ريحها». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوم والبصل وقيل يا رسول الله وأشد ذلك من الثوم أفتحرمه فقال صلى الله عليه وسلم «كلوه ومن أكله فلا يقرب هذا المسجد حتى تذهب ريحه منه».
هذا الحديث يؤسس على البناء الشرطي الذي يعتمد على فعل الشرط وجوابه بما يؤكد على عدم الأكل من الثوم والبصل ولم يعد ذكر الشجرة الخبيثة (الثوم والبصل) تخفيفاً منه صلى الله عليه وسلم.
هذه بعض الآداب النبوية الشريفة فأسلوب الرسول فيه من الدقة التي يصل بها إلى قلوب السامعين، لقد أمر الرسول الخاتم من أكل ثوماً أو بصلاً بعدم الاقتراب أو عدم المكث في المسجد لا حرمة في ذلك وإنما من أجل الرائحة التي تتأذي منها الملائكة ثم يتأذى بها بني آدم ومناجاة العبد لربه تقتضي أن يكون طيباً مع نفسه ومع غيره.
وهذا الحديث مملوء بالبلاغة النبوية في استخدام الرسول الشرط وتعبيره بقوله «من أكل» والتعبير بالماضي دلالة على أن الفعل حدث وسيحدث مستقبلاً ودليل على وقوعه آجلاً وعاجلاً فقول الله «أتى أمر الله» عبر بالماضي للتأكيد على حدوثه في المستقبل.
لقد تنوع أسلوب الرسول بين الخبر والإنشاء واستخدام أدوات العطف والتوكيد المختلفة ففي الشرط الجملة الشرطية استخدام الماضي بدلالة المستقبل والشجرة الخبيثة أشار إليها وفيها توكيد وتخصيص فقال الشجرة بالتعريف ولم يقل شجرة بالتعميم ووصفها بالخبيثة كناية عن الكراهية لرائحتها وجملة (لا تقربنا في المسجد) لسببين الأول كناية عن أدب الرسول للأمة والرحمة بها ثم للدلالة على عدم المكث في المسجد لمن أكل منها.
وقول الناس حرمت كناية عن فهمهم بإعمال عقولهم حول كل كلمة تخرج من الرسول ثم تبليغه صلى الله عليه وسلم كناية أيضاً عن حرصه على هذه الأمة وقوله (أيها الناس) دلالة على أن الأمر لن يخص قوما دون قوم والعبارة (فقال الناس حرمت).
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (أيها الناس) بالنداء الذي يفيد العموم لا الخصوص وفيها مشاكلة لغوية قال الناس فقال الرسول: أيها الناس وكذلك جناس تام وقوله بالنداء دلالة على انتشار الخبر بين الناس ولابد أن تأتي أحكاماً لتصحح لهم هذا المفهوم.
فيأتي ويقول ليس بي تحليل ولا تحريم، إنما هو من الله وإلى الله، دلالة على التسليم المطلق لله وفي قوله (أنا) جملة خبرية اختصها الرسول بالاقتداء وأن يقتدوا به، وقوله (فلا يقربنا) التوكيد وقوله (في المسجد) كناية منهي على المكث في المسجد والبقاء فيه فاستخدام الرسول البليغ في إشاراته المتعددة وأسلوبه الرائع ونقلنا من خفي إلى جلي من المعقول إلى المحسوس وأمرنا ولكن الأمر خرج إلى صيغة الإرشاد والرجاء فاستعماله صلى الله عليه وسلم لهذا كله زاد المعنى وضوحاً وجلاء وأعطى الغاية من التعبير.