المسلم وهو يعيش الوقت المتبقي من شهر رمضان يشعر أن شيئاً غالياً سيغيب عنه بعد أن ذاق طعم العبادة وحلاوة المناجاة وذكر الله عز وجل، يشعر أن الوقت المتبقي يمر كنسمات السّحَر، مؤذناً برحيل هذا الضيف العزيز، والنفس بطبيعتها تأبى لحظات الفراق، فيا أيها الضيف الكريم ترفق فقلوب المحبين تَّشَّقَّق.
لقد ازداد المسلم حباً وإخلاصاً لكل لحظة من لحظات هذا الشهر الفضيل، وسعدت النفس فيه بتلاوة آي الذكر الحكيم، وحضور مجالس العلم والأمسيات الرمضانية المليئة بالمحاضرات القيمة لكبار رجال الدين، والتي كان لها عظيم الأثر في سلوك المسلم.
والمسلم الذي واظب على حضور مجالس العلم في رمضان يشعر بحالة من الرضا والسعادة، لأنه وجد فيها مبتغى، من سماع موعظة والحصول على إجابات للأسئلة التي تشغل باله، ولسوف يستمر في مزاحمة العلماء بالركب في مجالسهم النيرة بعد رمضان بمشيئة الله تعالى كي تعم الفائدة ويستزيد من العلم النافع.
قال الفقيه نصرالدين بن محمد بن إبراهيم السمرقندي: من انتهى إلى العالم وجلس معه، ولا يقدر على أن يحفظ العلم فله سبع كرامات.
أولها: ينال فضل المتعلمين. والثاني: مادام جالساً عنده كان محبوساً عن الذنوب والخطأ. والثالث: إذا خرج من منزله تنزل عليه الرحمة. والرابع: إذا جلس عنده، تنزل عليهم الرحمة فتصيبه ببركتهم. والخامس: مادام مستمعاً تكتب له الحسنة. والسادس: أن تحفهم الملائكة بأجنحتها رضا وهو فيهم.
والسابع: كل قدم يرفعه أو يضعه يكون كفارة للذنوب ورفعاً للدرجات له وزيادة في الحسنات، ثم يكرمه الله تعالى بست كرامات أخرى، أولها: يكرمه بحب شهود مجلس العلم. والثاني: كل من يقتدي بهم له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء. والثالث: لو غفر لواحد منهم يشفع له.
والرابع: يبرد قلبه من مجلس الفساق. والخامس: يدخل في طريق المتعلمين والصالحين. والسادس: يقيم أمر الله تعالى، لأن الله تعالى يقول: كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. يعني العلماء والفقهاء.
هذا لمن لم يحفظ شيئاً، وأما الذي يحفظ فله أضعاف مضاعفة.
ولا شك أن هذا كلام جميل يدعو المسلم إلى اليقظة والانتباه إلى ضرورة حضور مجالس العلم أو مجالس الذكر ليجد له في الصالحات مكاناً مكيناً، وليتبوأ جنة الله مع المهتدين العاملين إن شاء الله.
روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله، ما غنيمة مجالس الذكر؟ قال: غنيمة مجالس الذكر الجنة. (رواه أحمد بإسناد حسن).
والشيء الذي يثلج الصدر ويسعد الإنسان عند حضور مجلس علم أن يكون المتصدر للمجلس فقيها تقيا نقيا ذكيا، لا يقنط الناس من رحمة الله، فرحمة الله واسعة، قال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء.
ويقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى. قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه». (رواه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق وأبو بكر السني وابن عبدالبر من حديث علي، وقال ابن عبدالبر أكثرهم يوقفونه عن علي).
وروى أبو داود بإسناد حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب».
ومما يزيد من سعادة المسلم المحب لمجالس العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق له ولغيره البشرى بوصفه لتلك المجالس بأنها رياض الجنة حيث النعيم والسعادة والهناء لمن يرتادها.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم». (رواه الطبراني في الكبير وفيه راو لم يسم).
وهناك أخبار كثيرة توضح لنا أهمية مجالس العلم وكلها تسعد المسلم الذي يريد المزيد من العلم والمعرفة والذي يلتزم بآداب المجلس من حسن إنصات وتقدير للمتحدث.
روي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير». (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح) ورواه البزار من حديث عائشة مختصراً قال: «معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر».
ولله در القائل:
تعلم العلم واجلس في مجالسه
ما خاب قط لبيب جالس العلما
وقال آخر:
عقل الفتى ممن يجالسه الفتى
فاجعل جليسك أفضل الجلساء
والعلم مصباح التقى لكنه
يا صاح مقتبس من العلماء
المجلس الصالح يكفر الذنوب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة فإذا سمع العلم خاف واسترجع عن ذنوبه، فانصرف إلى منزله، وليس عليه ذنب، فلا تفارقوا مجالس العلم، فإن الله تعالى لم يخلق على وجه الأرض بقعة أكرم على الله من مجالس العلماء. وقال بعض الحكماء: إن لله تعالى جنة في الدنيا من دخلها طاب عيشه، قيل: ما هي؟ قال: مجالس الذكر.
وفي ختام اللقاء ... دعاء ورجاء:
إلهي يا سميع يا بصير، يا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أنر قلوبنا بنور القرآن وانفعنا بالصيام والقيام وبارك لنا فيما تبقى من رمضان، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأعنا على الإيمان الحق الذي ينطبع في نفوسنا ونجعله الهدف الأسمى، وتستنير به عقولنا ويكون لنا رائداً ودليلاً للأخذ بكل ما ينفعنا ويحول بيننا وبين ما يبعدنا ويشغلنا عن طاعتك حتى نلج أبواب الصلاح ونرتقي بأنفسنا في مدارج الكمال وحتى نلقاك وأنت راضٍ عنا يا كريم.
اللهم إنا نعوذ بك من عثرة اللسان وسوء المقام وخفة الميزان، وامنحنا يا رب الأصالة في التفكير وبعد النظر في العواقب، والإصابة في الاختيار، واملأ قلوبنا بمحبتك وأعنا على طاعتك واجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهك الكريم، اللهم اصرف عنا كل بلاءٍ وكل دواء، وابسط علينا كنفاً من رحمتك ولطفاً من عفوك وارزقنا يا رب رزقاً مباركاً وقنعنا بما رزقتنا وبارك لنا فيه إنك يا إلهي على كل شيء قدير.