«يوم تبيض وجوه وتسود وجوه» «وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون».
أية وجوه تلك عرضت لها الآية بالثناء وذكرتها في أعذب قصص، وأطيب رجاء؟
أهي الوجوه التي كانت في الدنيا تتناولها يد الماشطة حتى تهذب من قبحها وتنسقها بالخضاب حتى تصقل أهابها ثم تتركها مسرحاً للعيون الخائنة،
وخدعة يلوح بها الشيطان ويدعو إليها الغواة، ويجمع حولها الفساق؟
أم هي الوجوه التي نسقتها يد القدرة فكان يشع البهاء من قسماتها ويشرق الحسن من طلعتها ثم هي لا تعرف لله نعمة ولا تخشى له جانباً ولا تسجد بين يديه سجدة المؤمنين الشاكرين؟.
لا هذه ولا تلك فإن الله لا ينظر في الناس إلى صورهم ولا يقدرهم بأجسامهم ولكن ينظر إلى قلوبهم ويزنهم في الآخرة بأعمالهم.
ورب إنسان بين الناس أشعث أغبر ولكنه على صلة بالله فهو عند ربه بر مشكور وله في الآخرة خطوة ممدودة ومنزلة مشهودة.
فمن هم أولئك الذين وصفهم القرآن ببياض الوجوه وبشرهم بأنهم سيكونون في رحمة الله خالدين ؟
أن هناك دعوة إيجابية توجهنا إلى الكمال الذاتي نأخذ به لأنفسنا ثم ننشده في غيرنا.
وأن هناك دعوة سلبية تصرفنا عن الشر الذي وقع فيه غيرنا.
ثم انتهت بنا الآيات إلى الغاية التي يكون فيها بياض الوجوه أو سوادها.
فالكمال في أمور ثلاثة:
في تقوى الله، وفي التسلح بالدين دائماً في السر وفي العلانية حتى لا يفاجئنا الموت إلا على الإسلام.
وفي التضامن على الحق والاعتصام بحبل الله والرجوع إلى شريعته في كل ما يعرض لنا من الخلافيات حتى لا يتفرق جمعنا وتضعف شوكتنا ويقبح معاشنا في دنيانا.
«ياايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا».
وكمالنا فيما ننشد للغير في أمور ثلاثة.. أن ندعوهم إلى الخير، ونأمرهم بالمعروف، وننهاهم عن المنكر.
وهذه رسالة المصلحين بعد أن صلحت حالهم «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر».
ونحن في حوزة هذه الآيات نكون على الكمال المنشود للإسلام في أهله البارين بأنفسهم وبدينهم وبغيرهم وما من شك في أن الإنسانية لا تتمثل في شاكلة خير من هذه الشاكلة وأن من كان في هذا الوضع الرفيع من أوضاعها التي رسمها الإسلام يكون على سبيل راشدة لاستمداده التوجيه من مناهج الكتاب والسنة وتلك سبيل الهداية التى لا تكلف المرء جهداً ولا تبعده عن شيء من الخير فنصيبه في الدنيا مكفول وحظه فيها ناهض وشأنه في الآخرة موكول إلى وعد الله الصادق «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني».
هذا التوجيه ظهر عملياً في مسلك المسلمين أول عهدهم وظهرت آثاره في نجاحهم يوم تمت لهم السيادة واتسعت لهم الرقعة وظهرت منهم المثالية في سياستهم وعدالتهم ونجحهم الذي بهر التاريخ ثم ضعف بقدر ما ضيعوا وفرطوا.
وبهذا التوجيه والأخذ به لا نكون كالذين بلغتهم دعوة ربهم فركبوا رؤوسهم وتفرقت عقيدتهم وأصبح كل منهم في زاوية من زوايا الباطل وتمكنت بينهم الخصومات الدينية حتى شغلتهم جميعاً عن تتبع الحق فى ذاته وعن الرضوخ للصواب حتى لو بان لهم وشخص أمام عيونهم.
وأولئك هم الفريق الآخر الذي دفعتنا عن متابعته الدعوة السلبية في صدر الآيات «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم» هذا الفريق هو الذى سلك مسلكاً معوجاً عن صراط الله وانحرف انحرافاً غاوياً، وهم الذين كبر عليهم أن يحيدوا عن العصبية وأبوا أن يزنوا الأمر بميزان النصفة والاعتدال، فمنهم من تحلل من دعوة الله إلى التدين ولم تخضع وجوهم لله بالإيمان والتعبد، فحملوا أنفسهم ظلماً وأورثوها غضباً.
ومنهم من تدين ولكن في غير مطاوعة للدين الحق الذي ركن إليه، فلم يتابع رسوله في الإيمان بالرسل، والرجوع إلى الله الحق في كل ما جرى على ألسنة الرسل من الحق. ومنهم من ظن نفسه تام العقيدة كامل الإسلام، وهو في نفسه حرب على العقيدة خصم لدينه بما ]اى وبما يدع وهو حجة سيئة لمن تتبع الإسلام في عمل أهله ولمن يحاسب المسلمين على احترامهم لدينهم ويظن أن ضعف التدين عند الأشخاص يعتبر ضعفاً في الدين ذاته.. هؤلاء جميعاً ـ والله المعيذ ـ هم الذين يحشرون يوم القيامة على حالة تخالف حالة الأولين.
هذان فريقان قال عنهم القرآن «يوم تبيض وجوه وتسود وجوه».
وقد بين لهم القرآن جميعاً ما يأخذون وما يتركون فإذا ما قطعوا سبيل الحياة وانتهوا إلى غايتها ووقفوا من ربهم موقف الجزاء كان طبيعياً في نظر العقل وكان عدلاً في نظر الدين أن يفرق الله بينهم في المقام والمظهر وأن يميز بين خبيثهم وطيبهم ليلمس كل منهما نتائج سعيه في دنياه ويرى مصيره الذي ارتضاه وليعلموا جميعاً أن وعد الله حق وأنه كان قولاً فصلاً ولم يكن بالهزل.
فبياض الوجوه في تلك المواقف ليس بياضها الذي كان عرضاً في الحياة وكانت به فتنة فاتنة فقد يكون ذلك قبحاً هناك.
وإنما بياض اليوم هو وضاءه وصباحه من أثر الإيمان وهو روعة وبهجة لحسن مآلهم عند ربهم واطمئنانهم على أنفسهم وظفرهم بما وعدهم من المثوبة وحسن القبول.
ويقول: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة».
أرأيت أن هذه الوجوه التي وصفت بالبياض هي التي تكون ناضرة في النعيم مغمورة بالرضا وهانئة بالنظرات إلى الذات الأقدس.. هي التي تعرف فيها نضرة النعيم وهى التي تسقى من رحيق مختوم لم يسبقها إليه أحد ولم تخالطه آفة ولا شائبة ولا نقصان.
هؤلاء هم المتقون الذين سيكونون في جنات وعيون وسيكونون في مقام أمين وسيكونون في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر هم هؤلاء وليسوا هم الذين يريدون علوا في الأرض أو فساداً ولا الذين يتبتلون عن الدنيا رياء أو يتصنعون الزهادة فيها تحايلاً وإنما هم الذين يبتغون الدار الآخرة ولا ينسون نصيبهم من الدنيا وهم الذين ساروا على النهج الأقوم في عقائدهم وأعمالهم وفى مودتهم للمسلمين ومعاملاتهم مع الغير.