هذا الصحابي الأنصاري كان ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان له بلاء حسن في قتال المشركين حتى أصاب منهم عدداً كبيراً. ولما جاء وفد عضل والقارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلنوا إسلامهم ثم طلبوا منه أن يبعث معهم نفرمن أصحابه ليعلموهم القرآن ويفقهوهم في الدين. وبعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم عدداً من أصحابه من بينهم (خبيب بن عدي) .

ولما وصلوا إلى ماء يقال له (الرجيع) غدروا بهم وقتلوا فيهم وأسروا خبيباً فباعوه بمكة وقد اشتراه بنو الحارث بن عامر وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله. ولما كان أسيراً في بيت بني الحارث استعار موسى يستحد بها فأعارته بنت الحارث فجاء ابن لها وهي غافلة فدخل عليه.

فأجلسه على فخذه والموسى في يده ففزعت شديداً فقال لها: لا تفزعي والله ما كنت لأقتله. قالت والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب. ثم خرجوا به إلى التنعيم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ذلك جزع من الموت لزدت في صلاتي وأطلت. اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بٍدداً ولا تُبقي منهم أحداً. قال الحارث بن عامر: فوالله ما كنت أظن أن سيتبقى منا أحدٌ.

ثم قال خبيب:

ولست أبالي حين أُقتل مسلماً

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد خيروني الكفر والموت دونه

وقد ذرفت عيناي من غير مجزع

وقبيل قتله جاءه أبو سفيان صلى الله عليه وسلم وكان مشركاً فقال يا خبيب أتحب أن محمداً مكانك الآن وأنت جالس في بيتك فقال والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة فقال أبو سفيان:

«ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً». ولما سمع أبو سفيان دعوة خبيب أخذ بابنه معاوية يلقيه إلى الأرض فزعاً من دعوة خبيب صلى الله عليه وسلم ولما أتم صلاته وقد جعلها سنة وكان أول من سن هذه السنة عند القتل قال: «اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما فُعٍل بنا».

ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله ونزل جبريل ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فُعٍل بخبيب كما دعا رضي الله عنه. فقد اخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن أمية أن رسول الله ْبعثه وحده عنياً إلى قريش قال فجئت إلى خشبة خبيب فحللته فوقع إلى الأرض وذهبت غير بعيد ثم التفت فلم أره كأنما ابتلعته الأرض.

وأورد ابن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الزبير والمقداد في إنزال خبيب عن خشبته فأنزلاه فحمله الزبير على فرسه وهو رطب لم يتغير منه شيء فأحس بهم المشركون فلما لحقوهم ألقاه الزبير فابتلعته الأرض فسُمي بليع الأرض وقد أورد ذلك القرطبي مستدلاً على ثبوت الكرامات في معرض تفسيره لسورة الكهف.