نهضة الأمة الإسلامية الحقيقية تبدأ من المسلم ذاته في الدفاع عن فكره ودينه، وتصحيح الصورة النمطية السائدة داخل كل الأذهان وخاصة عند الغرب.

وأن استعادة قدرة الأمة الإسلامية على مواجهة التحديات، التي تواجهها هي أقصر الطرق لتحقيق نهضة شاملة عل كل المستويات خاصة وإن التخلف الاقتصادي والفكري من التحديات، التي تواجه العالم الإسلامي، وأصبح أبناؤه متهمين بها بأنهم متخلفون فكريا واقتصاديا، ولكن علينا كشف الحقيقة في أن الاقتصاد الإسلامي هو المخرج من حالة التخلف الاقتصادي، والالتزام بكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام هي طريقنا للنجاة من التخلف الفكري.

ولن يتأتي ذلك إلا بالمصارحة والمصالحة، المصارحة مع النفس والمصالحة مع الغير والتوحد على كلمة واحدة، حتى يرتقي شأن الإسلام وتعلوهم الأمة الإسلامية وتستطيع أن تواجه هذا القصور خاصة مع تحديات القرن الجديد. يقول د. محمد عمارة المفكر الإسلامي: التخلف المادي الذي يخيم على المجتمعات المسلمة هو نتيجة طبيعية للتخلف الفكري.

ونحن بحاجة ماسة لإيمان عميق وإخلاص كامل مع وعي وبصيرة، ومتى تيسر ذلك يأتي التخطيط الدقيق والعلم النافع والعمل المستمر، حينئذ نكسر طوق التخلف الذي يحيط بنا، ولكن.. لم يتغير حالنا.. إلا بعد صلاح نفوسنا، وكما قال تعالي: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» فالتخلف الصحي هو صورة من التخلف العام، ومكافحته تكون بمكافحة التخلف على كافة مستوياته وفي سائر الميادين.

ويضيف د. عمارة: إن أبلغ رد على تحدي الواقع هو في التنمية الشاملة، وهي في المفهوم الإسلامي تستهدف الإنسان أولاً وأخيرا، فهي ليست تنمية غربية، بل تنمية إسلامية في الأسلوب والغاية، فالتنمية الرأسمالية تخلق مجتمعات استهلاكية، تجعل من التكنولوجيا الإله المعبود، وهي أنانية مادية على حساب الآخرين وفقرهم، والتنمية والنمو وسيلة لحياة إنسانية أفضل، والتطلع إلي موقف إنساني غير خاضع للتكنولوجيا ليس رجعية ولا انهزامية، وكما يقول «رينيه دوبو» هي موقف تقدمي وجهد بطولي.

ويؤكد د. عمارة أننا نريد تنمية واقعية تؤدي بنا إلى نتيجة ملموسة، وتتمسك بالعدل بين الناس، وتكون هناك عدالة في الإنتاج والتوزيع، كما نريد تنمية يكون فيها الجميع حكاما ومحكومين مجتمعين في التخطيط والتنفيذ والمال والجهد، فإقالة المسلمين من عثراتهم واجب على الفرد القادر، بعلمه وماله ووقته.. مثلما هي واجب على أولي الأمر، وكما قال تعالي: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» صدق الله العظيم. الاتحاد قوة ويوضح د. عبد الحليم عويس المفكر الإسلامي:

أن تغريب المجتمع وفرض مناهج تربوية غريبة عنه تماما تعد من أكبر مظاهر الانهيار في العالم العربي وأساليب التربية الصحيحة غير القويمة حولت العالم العربي كله إلى منطقة تجارب للعمليات التغريبية، وإلى منطقة فراغ تتصارع فيها كل المناهج التربوية، والمذاهب الاجتماعية والأفكار الشاذة التي تظهر في بعض حواري وشوارع المجتمع الأوروبي، ولم يستطع المجتمع العربي أن يرسو على حال صحيح، كما أنه أصبح يعاني من الصراع الذي ينهك قواه ويشل حركته، وإن لم يتحد العرب تربويا وفكريا، فإنهم يتحدون عسكريا وسياسيا وعقائديا.

ويضيف : إنه وسط هذه الحيرة والضياع، توالت النكبات على العرب من كل جانب، ووجد أعداء الحضارة الفرصة سانحة لزرع كل بذور الشقاق بينهم، ولتحويلهم إلى أمم متفرقة بعد أن كانوا أمة واحدة وإلى عقائد وعناصر متصارعة بعد أن كانوا يخضعون لراية واحدة. ويري د. عويس:

أنه نؤدي دورنا الحضاري بين الأمم، وذلك من خلال ديننا الإسلامي، فعلي امتداد أربعة عشر قرنا استطاع القرآن أن يترك تراثا هائلاً سيطرت روحه على العالم كله، وأعطي الأمة الإسلامية والعربية وقودها الحضاري وفكرها المتميز، فالإسلام سيظل دينا ورافدا يظلل على العالم أجمع. الهوية الإسلامية ويؤكد د. على جمعة مفتي مصر:

أن الإسلام ولد في قلب التحدي من خلال مخططات معدة، وقد أنذر القرآن الكريم المسلمين وحذرهم في أكثر من موضع من أن يأمنوا عدو الله وعدوهم في مواجهة التحديات، أو من يتخذوا بطانة من دونهم، وفي أكثر من موقف خلال تاريخهم كان العدو، بسبب مخالفتهم ذلك قادرا على اقتحام ثغورهم وتدمير قواتهم وتفريق وحدتهم. ويضيف د. جمعة لابد من تصحيح أوضاع المسلمين في العالم الإسلامي اليوم، وهذا يدعونا إلى ضرورة العودة إلى الدين والتماس أسباب التمكين.

وامتلاك أدوات التقدم وتصحيح كثير من الأوضاع الاجتماعية التي دفعتهم إليها الحضارة الغربية، مثل التطلع إلى المادة والترف والتماس مصادر الحرام، والنزوع إلى الإسراف في المتعة المادية، وتجاهل الخطر المحدق الذي يعمل على احتواء المسلمين ومحاصرتهم، والحيلولة دون تمكنهم من امتلاك إرادتهم، وبناء مجتمعهم الرباني، وتوجيه ثرواتهم نحو بناء قوة اقتصادية إسلامية تكفل لهم استغلال مواردهم..

ولا يأتي هذا إلا بالعمل على إقامة وحدة جامعة بين كل العناصر الإسلامية، فالمسلمون بحاجة إلى تزكية الهوية الإسلامية الجامعة بين الهويات القومية والوطنية داخل دائرتها الكبرى حتى لا يجد خصوم الإسلام ثغرة ينفذون منا وليأخذوا من التاريخ الطويل عبرة وعظة.

ويتحدث د. عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر ويقول: «ثمة فارق شاسع بين تخلفنا كمسلمين وبين الإسلام»، فنحن لا نقول إن الإسلام متخلف، وإنما نحن المسلمين، والسبب بعدنا عن الإسلام»، وإن ظاهرة التخلف الاقتصادي مأخوذ بها على المستويين العلمي والعملي.

ونقصد بالتخلف الاقتصادي حالة الانخفاض النسبي في مستوي النشاط الاقتصادي للمجتمع، الذي يعاني من هذه الظاهرة، وكلمة نسبي تعني بالنسبة لما يحققه المجتمع إذا ما استخدم موارده استخداما صحيحا، وبالنسبة إلى الدول المسماة بالمتقدمة اقتصاديا نرمز إليها بالفقر الاقتصادي النسبي.

ونعبر عنها كميا بمعايير عدة منها متوسط نصيب الفرد الحقيقي من الناتج أي بعد استبعاد أثر الأسعار، فهذا المتوسط شديد الانخفاض نسبيا إذا ما قورن بالدول المسماة بالمتقدمة اقتصاديا، والاستثناء لهذه القاعدة أو هذا المقياس النقدي هي الدول النفطية، وهنا نستخدم معايير أخرى تكمل المعيار، مثل درجة التعقيد الصناعي، أي مدى مساهمة قطاع الصناعة التمويلية في الناتج الكلي.

ويري د. الغازلي أن المخرج من حالة التخلف لدينا يستدعي بالضرورة تعريف التخلف الاقتصادي من منظور الاقتصاد الإسلامي، ومن هنا «فالاقتصاد الإسلامي» هو: اقتصاد سياسي يعني تزاوج السياسة مع الاقتصاد، وللعلم لدينا طاقات بشرية متنوعة، وموارد مالية كبيرة لابد من استغلالها لصالح الأمة الإسلامية. تراث وتفاعل ويقول المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد :

إن هناك بعض العادات والتقاليد تصور البعض من خلالها أنها من الإسلام، لذا وجب التصدي لها وتوعية المسلمين بضرورة التخلص منها حتى يتحقق الوعي والفهم السليم للدين، والآفة الكبرى التي تواجه هذه الأمة هو أنها تردد تراثها دون أن تتفاعل معه، حيث إن الحديث عن الإسلام في كثير من الأحيان يكون بعيدًا عن واقع الناس وحياتهم، مما جعل أمتنا كثيرة الهموم متعددة المشاكل، تحيط بها قوى كثيرة وأصبح من الضروري أن تكون لهذه الأمة وقفة مسؤولة من الحاضر والمستقبل.

ويضيف د. أبو المجد: أن بناء الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية التي يقوم عليها نهضة أبناء الأمة الإسلامية، واستعادة هذه المكانة تتطلب أن تكون هناك مشاريع للتنمية الشاملة لمواجهة الأزمات والتحديات، وتحقيق المكانة المرموقة للأمة الإسلامية، فإذا أردنا بناء الإنسان المسلم فلابد أن تكون لدينا قناعات بأن البناء لابد أن ينطلق من المبادئ الإسلامية الصحيحة، التي تدعو إلى ضرورة الانتماء للأمة، والابتعاد عن الأنانية والإيثار النفسي، كما ينبغي تربية الإنسان المسلم على قواعد الإيمان، لأن الفرد المسلم صحيح الإيمان هو الذي يشغل نفسه بهموم الأمة، ولا تشغله خاصة نفسه عن هموم أمته.

ويؤكد د. أبو المجد على ضرورة أن تكون نظرتنا للمستقبل واضحة، فتأكيد هويتنا الإسلامية لا يقف على طريق الشعارات بل طريق تنفيذ المبادئ والالتزام بها. أعظم رسالة وحول التوازن المنشود بين المادية والروحية في هذه الأمة يقول د. يوسف القرضاوي الداعية الإسلامي:

إن الأمة الإسلامية تمتلك أعظم رسالة في الوجود تلك الرسالة التي تستطيع إنقاذ العالم من المادية التي غرق فيها وهي التي تستطيع أن تحقق رسالة التوازن بين المادية والروحية، التي تصل بالسماء وتمزج الروح بالمادة، وتجمع بين الدنيا والآخرة، وتوفق بين العقل والقلب توازن حرية الفرد ومصلحة المجتمع.

ويشير العالم الإسلامي د. يوسف القرضاوي أن رسالة التوزان هذه لا يملكها إلا نحن وحدنا، باعتبارها الوثيقة الإلهية والسماوية غير المحرفة وهي القرآن الكريم ويمثل عندنا القوة الروحية، المادية، البشرية، ونستطيع أن نكون شيئا إذا استفدنا من هذه القوي وإذا أردنا أن نستفيد فعلينا أن نصمم وهذا لا يأتي إلا بمزيد من التثقيف والتوعية والتوجيه حتى تقوى عزيمة الأمة.

ويري د. القرضاوي أنه لا يمكن الخروج من حالة التخلف ونحن متفرقون، وكل دولة تفكر بمفردها كأنها بمعزل عن العالم، وإذا تركنا العقول الإسلامية المهاجرة ينتفع بها الغرب، ولا ننتفع بها نحن، فسوف نظل في دائرة التخلف، ولن نخرج من هذا الأسر، وإذا أردنا الخروج من هذا، فالسبيل واضح في تحقيق النهضة العلمية، ونحن نستطيع استعادة أمجاد أمتنا فلدينا الإمكانيات والقدرة.

ويضيف : إن أمتنا لا زالت تملك إمكانية الريادة والتفوق، وعندنا القوة البشرية، فالمسلمون في العالم ألف وثلاثمئة مليون والعالم الإسلامي يملك من الثروات والموارد الطبيعية ما يعينه على تحقيق النهضة العلمية، وللأسف كثير من الناس يعتبر أن القوة البشرية نكبة، وأوهمنا اليهود والصليبيون بذلك، وأقنعونا بضرورة تحديد النسل لأن كثرة الأولاد مصيبة.

ولقد ثبت كذب هذا الكلام فمثلا الصين تعدادها بالمليار إلا أنها استطاعت تحقيق نهضة اقتصادية تكنولوجية تغزو بها العالم الآن. ويلخص د. القرضاوي الأمر كله في أن عالمنا الإسلامي مليء بالإمكانيات المادية والبشرية التي لو أحسن استغلالها لأمكننا تحقيق نهضة علمية صناعية وأمكننا الخروج من حال التخلف مزودين بنور العلم والإيمان. خدمة .

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية