أطفال الأنابيب من القضايا التي أثارت الجدل وشغلت المسلمين سنوات طويلة ولا تزال فهناك فتاوى تبيح الإنجاب بهذه الطريقة على أساس أنها طريقة علاجية لكنها تشترط ان يكون الطبيب ثقة أمينا وهناك فتاوى تحرم معتمدة على التخوف من اختلاط الأنساب والتشكك في أمانة ونزاهة الأطباء ولا يعرف المسلم بأى فتوى يأخذ .
وبالتالي تظل القضية مثارا للأخذ والرد من وقت إلى آخر في هذا التحقيق نحاول مناقشة هذه القضية ووضع النقاط على الحروف وبيان الأدلة التي يستند إليها كل فريق من المؤيدين لأطفال الأنابيب والمعارضين.
في البداية يؤكد الدكتور صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن بكلية طب الأسنان جامعة الأزهر إن الدين الإسلامي يعلم تماما رغبة الإنسان في بقائه وامتداد أصله ونسله مشيرا إلى أن كل إنسان يرغب في إنجاب أولاد يحملون اسمه ويرثون ماله ويكد ويكدح من اجلهم.
ويضيف إذا كان هناك زوجان لديهما أو لدى احدهما بعض الأمراض التي تمنع الإنجاب وفى نفس الوقت كان الطب قادرا على تحقيق أمنية هذين الزوجين عن طريق ما يسمى بأطفال الأنابيب فإن هذا الأمر يكون مباحا إذا تأكدنا من أمانة الطبيب أولا وأن هذه الحيوانات المنوية والبويضات هي من الزوج والزوجة.
ويشير الدكتور عبدالرؤوف إلى اننا ما دمنا نؤمن عدم اختلاط مني الزوج بمني آخر أو بويضة الزوجة ببويضة امرأة أخرى فلا مانع من ذلك مؤكدا انه في حالة وجود شك في الأمر ولو مثقال ذرة فلا يجوز الإنجاب بهذه الطريقة أبدا.
ويخلص إلى القول نحن مع إباحة الإنجاب من خلال تقنية أطفال الأنابيب بشرط اتخاذ كل الاحتياطات التي تمنع اختلاط المني أو البويضات والتأكد من إنهما للزوجين وليس لطرف ثالث.
ويرى الدكتور احمد يوسف أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة ان من النعم العظيمة التي من الله ـ عز وجل ـ علينا بها إنه خلق لنا من أنفسنا أزواجا وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة: قال تعالى ـ :
«والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون» موضحا ان الله - عز وجل - بين أن الأولاد عطاء وهبة من الله تدل على مطلق قدرته في كونه وتفرده بملكيته قال الله ـ تعالى: «لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير».
ويضيف قائلا العقم أصبح مرضا من الأمراض التي يمكن علاج كثير من أسبابها مشيرا إلى ان الإسلام شرع طلب العلاج لاى مرض من الأمراض لقوله - صلى الله عليه وسلم ـ :
«يا عباد الله تداووا فإن الله جعل لكل داء دواء» وعلى هذا الأساس فإن من حق من لم ينجب أن يسعى لطلب العلاج حتى يرزقه الله ـ عز وجل ـ من الأولاد ما تقر به عينه وتسعد به نفسه فإن أخذ بالأسباب فلم يجد فليرض بما قسم الله ـ عز وجل ـ له وليفرغ شحنة حبه للأطفال في مساعدة اليتامى والعطف عليهم ومسح دموعهم.
ويشير الدكتور يوسف إلى انه بالنسبة للتلقيح الصناعي أو ما يعرف بأطفال الأنابيب فإن تعيين طريق للإنجاب من الحيوانات المنوية للرجل وبويضة زوجته بحيث تؤخذ كل الاحتياطات اللازمة والضرورية حتى تتم عملية التخصيب ثم تعاد البويضة الملقحة إلى رحم الزوجة لهذا الرجل حتى يتم نمو الجنين فهذا أمر مشروع ليس فيه محظور وهو يتساوى مع التلقيح الطبيعي إلا أن التلقيح الصناعي تم خارج الرحم لمرض في الزوج أو الزوجة حال دون إتمام عملية التلقيح الطبيعي.
ويؤكد انه إذا تم التلقيح بين الحيوانات المنوية لرجل وبويضة امرأة غريبة عنه فهذا حرام وكذلك إذا كانت عملية التلقيح الصناعي تتم مع احتمال الخلط بين النطف فهذا حرام ولذلك فإننا ننصح باختيار الطبيب الأمين الدقيق الذي يراقب الله في عمله ويتأكد من حدوث عملية التخصيب بين ماء الرجل وبويضة زوجته وليس احدا آخر.
ويشير الدكتور شوقي عبده الساهي الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر إلى ان هذه الطريقة تستخدم في حالتين الاولى إذا كان الزوجان عقيمين تماما وذلك بانتزاع بويضة صالحة للإخصاب من مبيض امرأة ما ثم تلقح بمني رجل ما غير الزوج وتوضع في أنبوبة بها السائل اللازم للنمو وبعد أن تتم عملية التخصيب .
وتكون النطفة الملقحة تزرع في رحم الزوجة والطفل في هذه الحالة لا يعتبر من الناحية الوراثية ابنا للزوجين العقيمين إلا أنه من الناحية القانونية يعتبر الزوج العقيم ابا لهذا الطفل حيث ان الزوج يعتبر أبا لكل طفل ولد أثناء الزواج كما تعتبر الزوجة العقيم أما لهذا الطفل لأنها هي التي حملته واحتضنته في بطنها ثم وضعته حيث ان الأمومة ترتبط بالولادة .
ويضيف أما في الحالة الثانية إذا كان الزوجان سليمين ولكن الزوجة لا تتحمل الحمل لإصابتها بمرض خطير يحول دون حملها وهنا يتم تلقيح الزوجة بمني زوجها وتوضع البويضة الملقحة في أنبوب به السائل اللازم للنمو حتى تتم عملية التخصيب وتتكون النطفة ثم تزرع في رحم امرأة متطوعة ـ وتسمى الام الحاضنة.
ـ وبعد الولادة يرد الطفل إلى الزوجة فمن الناحية الوراثية تعتبر هذه الزوجة أما لهذا الطفل لأنها صاحبة البويضة أما من الناحية القانونية فإن الطفل ينسب إلى الحاضنة لأنها هي التي حملته واحتضنته في بطنها ثم وضعته وهاتان الحالتان غير جائزتين في الشريعة الإسلامية وتدخلان في معنى الزنا المحرم بالنسبة للحالة الأولى وإفساد خليقة الله في أرضه في الحالة الثانية.
ويرى الدكتور الساهي انه من الصعب التأكد من بويضة الزوجة ومني الزوج في حالة ما إذا كان الطبيب يعالج حالات متعددة فالاختلاط بينها أمر وارد واحتماله كبير كما ان حماس الطبيب وحرصه على النجاح قد يجعله يلجأ إلى أساليب غير أخلاقية .
بالإضافة إلى ان عدم الثقة في الطبيب المعالج تجعل هذه العمليات محرمة شرعا وينصح الدكتور الساهي بعدم اللجوء إلى تلك العمليات والرضا بقضاء الله وقدره وان يعلم المسلم ان ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ويرفض الدكتور صفوت حسن لطفي رئيس جمعية الأخلاقيات الطبية والأستاذ بكلية الطب جامعة القاهرة التشكيك في مصداقية الطبيب وأمانته ونزاهته دون دليل مشيرا إلى انه حتى في حالة وجود أطباء لا يلتزمون بميثاق الشرف الطبي والقسم الذي أدوه قبيل ممارسة مهنتهم فانه من المستبعد ان تصل الأمور إلى هذا الحد اى إلى أن يقوم طبيب بتلقيح بويضة لامرأة بحيوان منوي لغير زوجها.
ويؤكد ان عملية التخصيب عن طريق الأنابيب منتشرة في مختلف أنحاء العالم لكن لا تثار حولها الشكوك إلا في بلادنا لان السلبيات والانحرافات الموجودة في مجتمعاتنا في القطاعات المختلفة هي التي تغذي المتشككين وتجعلهم يروجون لهذه الفكرة التي لا تقوم على أساس.
ويضيف ليس معنى هذا أننا مع الطبيب الذي يتعمد الخطأ أو الغش أو التدليس في هذه المسائل فالذي يثبت انه فعل ذلك يعاقب وبأشد العقاب لكننا ضد الاتهام بدون دليل لان هذا يؤدي في النهاية إلى تشويه صورة الأطباء وتحقير مهنة الطب في أذهان الناس.
