على مدى تاريخ الوجود الإسلامي في الغرب يمكن القول إن المسلمين تعرضوا لمحنتين كانتا بمثابة قمة المنحنى في أجواء التوتر بين العالم الإسلامي والغرب وتمثلتا في المعاملة التي لقيها المسلمون في اسبانيا المسيحية فيما بعد سقوط الأندلس في القرون الوسطى وتلك التي صادفها المسلمون في الولايات المتحدة فيما بعد أحداث سبتمبر في عصرنا الحالي.
وفيما انتهت المحنة الأولى باقتلاع الوجود المسلم من اسبانيا فإن الثانية تتواصل فصولها، ورغم أن الأساليب قد تختلف باختلاف العصر إلا أن الجوهر قد يكون واحدا.
لقد عاش مسلمو اسبانيا أوضاعا مأساوية حيث وجدوا أنفسهم أمام ثلاثة خيارات أحلاهما مر فإما التخلي عن عقيدتهم واعتناق المسيحية وإما الحكم عليهم بالموت وإما النفي والطرد، وعلى هذا كانت السفن تنقل المسلمين بأعداد كبيرة إلى سواحل المغرب العربي، فيما لم يجد من أصرّ على البقاء من سبيل سوى اعتناق المسيحية مع التمسك بإسلامه في السر، فكان المرء يتكلم لغة غير عربية ويمارس طقوسا غير إسلامية خارج منزله.
فيما يحاول القبض على دينه في داخل منزله ولهذا لم يبد من الغريب أن يتم العثور في مراحل لاحقة على مصاحف مدفونة تحت الأرض كان المسلمون يحرصون على إخفائها خوفا من الأذى الذي يمكن أن يتعرضوا له حال اكتشاف تمسكهم بدينهم وأدى ذلك إلى ظهور من عرفوا بالموريسيكيين وهم العرب المتنصرون الذين عاشوا في بلادهم الأندلس بعد سقوطها واضطروا للتظاهر بالنصرانية. ومع تعاقب الأجيال فقد انتهى الأمر باندثار الوجود المسلم إلى حدوده الدنيا في اسبانيا.
لقد عامل الصليبيون أهل الأندلس بعد أن سقطت بأيديهم بروح ثأرية عدوانية، حتى أن القسيسين كتبوا على جميع من كان اسلم من النصارى أن يرجعوا قهراً إلى الكفر.
وكانت أحكام الإعدام بالنار كثيرة ضد المسلمين وكانت تنفذ في مهرجانات عظيمة يشهدها القساوسة ورجال الدولة والأهالي وأحياناً الملك وكبار رجال دولته وكان المتهمون يحرقون جماعياً في مواكب الموت للترهيب، وأحياناً عائلات بأكملها بأطفالها ونسائها وكانت محاكم التفتيش تحاكم الموتى فتنبش قبورهم وتتابع الغائبين وتعاقب أهلهم وكان أعضاؤها يتمتعون بالحصانة الكاملة.
. وكان المتهم يسجن في سجن ضيق خشن يقيد فيه بالأغلال ويحرم من الطعام والشراب والنوم، وتلجأ المحكمة إلى درجات أشد وأقسى من صنوف التعذيب، منها تعليق المتهم من يديه ورجليه على الحائط ومنها دفع المتهم إلى مكان عال وإلقائه ليهوى على الأرض ومنها أيضاً الكي بشعلة ملتهبة وتعريض قدمي المتهم بعد أن تطليا بالشحم إلى نار ملتهبة ثم يظهر المفتش لانتزاع الاعتراف وفي كثير من الحالات كان الكثير يموتون قبل الإدلاء بأي اعتراف.
وقد لاحقت محاكم التحقيق «التفتيش» الموريسكيين فحظرت عليهم كل ممارسة أو شعيرة إسلامية يمارسونها في الخفاء حتى أنها وضعت قائمة طويلة بهذه المحظورات ومنها أن الموريسكي أو العربي المتنصر يعتبر أنه قد عاد إلى الإسلام إذا امتدح محمداً أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهاً ومنها:
أن يحتفل يوم الجمعة بأن يلبس ثياباً أنظف من ثيابه العادية أو يستقبل المشرق قائلاً «باسم الله» أو يختن أولاده، أو يسميهم بأسماء عربية أو يقسم بإيمان القرآن أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر أو يقوم بالوضوء والصلاة بأن يوجه وجهه نحو المشرق إلى غير ذلك من الأمور التي لا نهاية لها.
وكان قد صدر قانون في عهد الإمبراطور شارلكمان سنة 1626م يحرم على الموريسكيين التخاطب باللغة العربية وارتداء الثياب العربية واستعمال العمامات وإقامة الحفلات على الطريقة الإسلامية.
إن تفاصيل محنة مسلمي الأندلس او الموريسكيين عديدة وموجودة في كتب التاريخ لمن أراد الاطلاع عليها، وهي تكشف عن أكبر محنة واجهها المسلمون في الغرب، غير أن الظروف أبت إلا أن يواجه المسلمون في عصرهم الحديث سوى محنة أخرى إن لم تكن أشد ضراوة فهي على الأقل تكشف عن استمرارية وتواصل أزمة علاقات العالم الإسلامي مع الغرب وهي محنة المسلمين في الولايات المتحدة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر وهي المحنة التي امتدت بدرجات متفاوتة إلى أقطار غربية أخرى.
مصطفى عبد الرازق
