يقول الله تعالى: «الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم». الآية (النور: 35) يقول د. عبدالسلام سرحان:

صورة نور الله الممثل بمشكاة، فيها مصباح يتوقد في زجاجة مزهرة، عاكسة للأضواء، ناشرة للأنوار، تشبه الكوكب الدري الذي يوقد بزيت زيتون في منتهى النقاء والصفاء، وهو مثل يقرب للإدراك المحدود صورة غير المحدود، ويرسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس، حين يقصر على تملي الأصل، وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير.

ومن عرض السموات والأرض إلى المشكاة، وهي الكوة الصغيرة في الجدار غير النافذة يوضع فيها المصباح، فتحسر نوره وتجمعه، فيبدو قوياً متألقاً: «كمشكاة فيها مصباح»..

«المصباح في زجاجة».. تقيه الريح، وتصفي نوره، فيتألق ويزداد.. «الزجاجة كأنها كوكب دري» فهي بذاتها شفافة رائعة سنية منيرة.. هنا يصل بين المثل والحقيقة، وبين النموذج والأصل، حين يرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير، كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير الذي ما حصل إلا لتقريب الأصل الكبير.. وبعد هذه اللفتة يعود إلى النموذج إلى المصباح.

«يوقد من شجرة مباركة زيتونة»، ونور الزيتون كان أصفى نور يعرفه المخاطبون، ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذا المثل، إنما هو كذلك للظلال المقدسة التي تلقيها الشجرة المباركة، ظلال الوادي المقدس في الطور وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب، وفي القرآن إشارة لها وظلال حولها.. يشير بها إلى آية «سورة المؤمنون».

وكل ما فيها نافع للناس، ثم يقول: فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة، إنما هي المشهود المحدود، إنما هو زيت آخر عجيب. «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار».. فهو من الشفافية بذاته، ومن الإشراق بذاته، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق، «ولو لم تمسسه نار».. «نور على نور»..

وبذلك نعود إلى النور العميق الطليق في نهاية المطاف، إن نور الله الذي أشرقت به الظلمات في السموات والأرض النور الذي لا يدرك كنهه ولا مداه، إنما هي محاولة لوصل القلوب به، والتطلع إلى رؤياه «يهدي الله لنوره من يشاء».. من يفتحون قلوبهم للنور فتراه. و يقول: إنما المثل الذي ضربه الله لنوره وسيلة لتقريبه إلى المدارك وهو العليم بطاقة البشر، وأنه وفي وقفة مع بعض الألفاظ التي تضمنتها آية المثل وما ترمز إليه من معان مثل:

مشكاة، دري، لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، أما «مثل نوره كمشكاة» فيقول الزجاج: إن هذا من باب ومما يرتفع بالظرفپ ووضح هذا بقوله: «مثل نوره كمشكاة » أي مثل نور الله في قلب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله (وقد أيد هذا الرأي السيوطي بقوله: الضمير عائد على نور مولانا جل جلاله).

وقيل: مثل نور القرآن وقيل: بل مثل نور محمد ـ عليه السلام، بل مثل نور قلب المؤمن أما هذان القولان فموضع اعتراض من السيوطي، ويرد السيوطي على هذه الآراء التي ذكرها الزجاج والتي أوردها السيوطي نفسه فيقول: وهذه الأقوال ضعيفة، لأنه لم يتقدم ما يعود عليه الضمير.

وكذلك فعل الغرناطي، فقد أورد أقوال الزجاج من أن الضمير في «مثل نوره» يعود على سيدنا محمد وقيل على القرآن، وقيل على المؤمن، ثم عقب عليها بقوله: وهذه الأقوال ضعيفة لأنه لم يتقدم ما يعود عليه الضمير.

والإمام الطبري من قبلهم ذكر عدة روايات بأسانيدها تدور حول هذه المعاني وقال: وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بالهاء في قوله: «مثل نوره» علام هي عائدة ومن ذكر ما هي؟ ثم ذكر الروايات مدعمة بالأسانيد وكلها تشير إلى عود الضمير على المؤمن أو القرآن أو الرسول عليه السلام، غير أنه أضاف رواية تشير إلى أن الهاء في مثل نوره عائدة على اسم الله.

وقد أشار البيضاوي إلى هذه الرواية قائلاً: وإضافته إلى ضميره سبحانه وتعالى دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره، وفهم هذا المعنى من كلام الزمخشري.

غير أن الألوسي أورد تفسيرات عدة لكلمة «النور»، فقال: إنها أدلة الله العقلية والسمعية في السموات والأرض التي هدى بها من شاء إلى ما فيه صلاحه، ثم ذكر أن المقصود القرآن، وقيل الحق، وقبل الهدى، وقيل المعارف والعلوم التي أفاضها عز وجل على قلب المؤمن، وقيل الإيمان، وقيل الطاعات، وقيل الرسول عليه السلام إلى آخر الأقوال التي أشار إليها إلا أنه قال:

والضمير على جميع هذه الأقوال، راجع إليه تعالى كما هو الظاهر. ثم عقب بعد ذكر أقوال تشبه ما قاله الزجاج وغيره فقال: ولا يخفي أن رجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه أو كان، لكن كانت دلالته عليه خفية خلاف الظاهر جداً لا سيما إذا فات المقصود من الكلام على ذلك. والذي يرجحه الفقهاء هو عود الضمير على الله سبحانه وتعالى.

كما ذكر الطبري والألوسي والبيضاوي والزمخشري، خاصة وأن السيوطي والغرناطي عقب إيرادهما الأقوال التي ذكرت عود الضمير على غير الله ضعف كل منهما هذه الأقوال، فقال وهذه الأقوال ضعيفة، وهذا كله مما يقوي الرأي الذي رجحته وذكر القرطبي رأي ابن عطية الذي ذكر عن هذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر.

وقوله تعالى: «كمشكاة»، أي كصفتها في الإنارة والتنوير، وهي الكوة غير النافذة، وهذا رأي الجمهور، وقد ذكر الألوسي معاني كثيرة لكلمة «مشكاة»، ولكنه مال إلى رأي الجمهور الذي ذكرناه، وقال: وعن ابن عطية أنه أصح الأقوال، وعلى جميعها هو لفظ حبشي معرب كما قال ابن قتيبة والكلبي وغيرهما، وقيل رومي معرب.

وقال الزجاج كما في مجمع البيان: يجوز أن يكون عربياً، فيكون مفعلة والأصل مشكوة، فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وإلى أن أصل ألفها الواو، ويوضح الألوسي أن ابن جني ذهب إلى هذا الرأي، فاستدل عليه بأن العرب قد نحوا بها منحاة الواو كما فعلوا بالصلاة.

وبعد أن أورد الطبري الروايات العديدة في معنى المشكاة قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد الذي أنزله إليهم، فآمنوا به وصدقوا بما فيه في قلوب المؤمنين مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وذلك هو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها.

وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الأعلى، فهو كالكوة التي في الحائط التي لا تنفذ، ثم قال فيها مصباح وهو السراج وجعل السراج، وهو المصباح مثلاً لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات، والمصباح في زجاجة يعني أن السراج الذي في المشكاة في القنديل وهو الزجاجة.

وذلك مثل القرآن، الذي في قلب المؤمن الذي أناره الله في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه واستنارته بنور القرآن واستضاءته بآيات ربه المبينات ومواعظة فيها بالكوكب الدري، فقال: الزجاجة، وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه كأنها كوكب دري، ومعنى: الدري: المضيء وهي منقولة من الحبشية، ومعناه المتلألئ كالزهرة، وهنا يرد سؤال: هل جاء في القرآن ألفاظ غير عربية؟

ويجيب محمد الزفزاف على هذا السؤال فيقول: قد اختلف العلماء في هذه المسألة من قديم، فقال بعضهم: قد اشتمل القرآن على بعض ألفاظ غير عربية، وقال بعض آخر: ليس في القرآن من غير العربية شيء إلا بعض الأعلام، وتوسط آخرون، فقالوا: إن هذه الألفاظ كانت في الأصل بغير لسان العرب، فلما وقعت للعرب وتداولوها بألسنتهم صارت من عربيتهم، فهي حينئذ عربية وإن كانت في الأصل أعجمية.

وهذا الرأي الأخير هو الذي نرجحه، فإن الألفاظ غير العربية صارت عربية باستعمال العرب لها، وإن كان الجاحظ يورد حكاية عن رجل عربي نطق بألفاظ من القرآن قيل إنها غير عربية وهي لفظ: قسورة، كباراً، وعجاب وكل هذا لا يقدح في عربية القرآن وعن ذلك قال ابن عطية: فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها، فهي عربية بهذا الوجه.

ويذكر الألوسي هنا لطيفة بيانية فيقول: وفي إعادة (المصباح والزجاجة) معرفين أثر سبقهما منكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظام الكلام بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها كوكب دري من تفخيم شأنهما ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وبإثبات ما بعدهما لهما بطريق الإخبار المنبيء عن القصد الأصلي دون الوصف المنبيء عن الإشارة إلى الثبوت في الجملة ما لا يخفي.

«يوقد من شجرة مباركة زيتونة»، أي يبتديء إيقاد المصباح من شجرة وصفت بالبركة لكثرة منافعها، أو لأنها تنبت في الأرض المباركة وهي الشام وكل هذا تفخيم لشأنها وزيتونة بدل من مباركة، وهذا مما يقوي هذا التفخيم. وصف الشجرة بأنها «لا شرقية ولا غربية»، يقول عنه الثعالبي : وفي القرآن لا شرقية ولا غربية يعني أن الزيتونة شرقية وغربية، وفي أمثال العامة فلان كالخنثي لا ذكر ولا أنثي، أي يجمع صفات الذكران والإناث معاً.

وقد سرد الطبري روايات عديدة توضح معنى: «لا شرقية ولا غربية» منها روايات تؤكد المعنى الذي ذهب إليه الثعالبي ومنها: لا يسترها من الشمس جبل ولا واد إذا طلعت وإذا غربت، أي أن الشمس تصيبها في حالة الشروق وحالة الغروب، ومنها أن الشجرة وسط الشجر ليست من الشرق ولا من الغرب.

ثم أورد من هذه الروايات رواية تقول: إن هذه الشجرة ليست من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لو صفت بأنها شرقية أو غربية، ولكنما هو مثل ضربه الله لنوره، والذين ذهبوا إلى هذا الرأي، وأنها ليست من شجر الدنيا، وأنها من شجر الجنة غاب عن ذهنهم أن المثل يضرب بما يشاهد، وهل شاهدوا شجرة الجنة حتى يقال إن الشجرة ليست من شجر الدنيا.