في العام 1921 بمدينة فاس المغربية ولد «عبد الهادي التازي» ونال شهادة العالمية في جامعة القرويين سنة 1947 وبعدها بعام عين أستاذًا بنفس الجامعة، وفي سنة 1971 حصل على دكتوراه الدولة بجامعة الإسكندرية عن أطروحته (جامعة القرويين) وعمل سفيرًا لدى ليبيبا والعراق وإيران والإمارات العربية، كما شغل منصب مدير المعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط، فضلا عن مساهمته في تأسيس اتحاد كتاب المغرب، وأكاديمية المملكة المغربية.
إضافة لكونه عضوا في مجموعة من الهيئات الثقافية منها المعهد العربي الأرجنتيني 1978 مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1976، المجمع العلمي العراقي 1966، مجمع اللغة العربية الأردني ـ والأكاديمية الهاشمية بالأردن. وتتجاوز مؤلفات د. التازي الثلاثين مؤلفًا من أهمها: تفسير سورة النور، آداب لامية العرب، أعراس فاس، جامع القرويين المسجد الجامعة بمدنية فاس، ليبيا من خلال رحلة الوزير الإسحاقي، العلاقات المغربية الإيرانية، إيران بين الأمس واليوم.. الخ. وقد شارك في الدورة الحادية والسبعين لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ببحث عنوان: عميد الاستشراق الإيطالي كارلو الفونصو للينو وعطاؤه للثقافة العربية، ومع حوار العالم والمؤرخ د. عبد الهادي التازي.
* شاركت في المؤتمر الأخير لمجمع اللغة العربية ببحث عن عميد المستشرقين الإيطاليين، فماذا عن تاريخ حركة الاستشراق في إيطاليا؟
ـ أعتقد أن إيطاليا أقدم بلد من بلدان البحر المتوسط التي اهتم رجالها بالانفتاح على العالم العربي والإسلامي فهي أقدم من إسبانيا في حركة الاستشراق بالرغم من أن أسبانيا كان بها المسلمون والعرب، لكن الاستشراق بإسبانيا اهتم بالدرجة الأولى بقضايا التنصير والتبشير والأمور التي تتعلق بالعقيدة بينما الاستشراق في إيطاليا ابتدأ حركته بالبحث العلمي أكثر لأن إيطاليا كانت بها جمهوريات كثيرة.
وكانت هذه الجمهوريات حريصة على أن تربط علاقتها التجارية والاقتصادية والسياسية مع العالم العربي وبالأخص الإسلامي، أضف إلى ذلك أن الفاتيكان كان مهتما جدا بالتعرف إلى الإسلام، ومجال نشاطه وتحركاته، ومن ثم كان مهتما بقضيتي المشرق والمشارقة.
وكان دور المغرب العربي كبيرا في فتح باب الاستشراق في إيطاليا، لأن له اتصالات اقتصادية وسياسية قديمة جدا مع الممالك الإيطالية قبل أن تتوحد إيطاليا، ويدل على ذلك وجود عدد كبير من الرسائل والخطابات والاتفاقات المتبادلة بين قادة المغرب في العصر الوسيط وبين قادة جمهوريات بيزا وجنوة وفلورنسا والبندقية، فكان الطليان مضطرين إلى أن يتعلموا اللغة العربية ويكتبوا خطاباتهم بالعربية إلى قادة المغرب.
*كيف ترى حركات الاستشراق في تعاملها مع الإسلام ومع التراث العربي؟
ـ هم يريدون البحث عن الحقيقة بمعنى أنهم يريدون فهم العالم العربي كما ينبغي ومن أجل ذلك يجب أن يفهموا التراث العربي، وكانوا يبحثون عن ذلك بروح علمانية، ولا يمكن أن نؤاخذهم على ذلك، وأريد القول بصراحة وبموضوعية تامة إن المستشرقين لم يكن لهم هدف يقتضي هدم المعلومات أو تزييفها وأعطيك مثلا على ذلك:
نحن نعرف أن الرسول «أرسل رسلا إلى بعض البلاد مثل بلاد الفرس والروم، ونحن بحكم إيماننا نصدق ما جاء حول هذه الرسائل ونؤمن بأنها رسائل وصلت بالفعل إلى تلك البلاد، رجال الاستشراق في المقابل ماذا يقولون:
يتتبعون تلك الرسائل تاريخيا بمعنى أنهم عندما يقرأون أن الرسالة وصلت إلى ملك الروم هرقل يحاولون معرفة مصداقية المصدر القائل بذلك، ويحاولون معرفة مكان هرقل ملك الروم فهل كان قريبا من الجزيرة العربية وقت إرسال تلك الرسالة له أم أين كان؟
وعليه فإن هناك اختلافات بين الفكر الإسلامي وهو يتتبع رحلة تلك الرسائل وبين فكر المستشرقين الذي يتتبع أيضا تلك الرحلة، فنحن كمسلمين نكتفي بمتابعة ما سمعناه، وهم يلحون على مناقشة الموضوع وقد حدث معي قبل نحو عشر سنوات في إيطاليا وفي جزيرة سردينيا وفي جامعة «ساسري» فكل عام تعقد هذه الجامعة ندوة بعنوان «إفريقيا الرومانية».
وقد شاركت فيها بموضوع عن رسالة النبي محمد «إلى هرقل ـ لأن هرقل هو الذي كان يحكمنا في المغرب قبل الإسلام ـ وقد ناقشت المستشرقين في موضوع المصدر الذي يحاولون التشكيك فيه فهم يعتبرون أن المصدر هو ابن إسحاق.
وهو كان موجودا تاريخيا بعد ظهور النبي «بزمن طويل، وقلت لهم إن المصدر كان البخاري ومسلم فنحن نعتمد على هذه المصادر التي كانت أقرب إلى زمن النبي، فالبخاري كان يقول الخبر الصادق فهو لم يكن يسجل في كتابه حديثا عن النبي» إلا إذا حققه ودققه بإمعان.
ظاهرة حضارية
*ما واجب علماء المسلمين في صد تلك الهجمات على الإسلام؟
ـ الاستشراق ظاهرة حضارية وتعني فتح باب الحوار بين الديانات وأعتقد أن قضية تشويه الإسلام تجاوزها الزمن، ولابد أن نحاول إزالة الأفكار التي تعتقد أن الاستشراق يمكن أن ينال من الإسلام، فهو أكبر وأعم من أن ينال منه أحد، وإذا كانت هناك محاولة للتشكيك فيه فواجبنا أن نتحدث بالعلم، فمثلا قد يقول قائل إن ماء زمزم يضر بالكلى وعلينا واجب الرد بالعلم.
ولكن للأسف رد علماء الإسلام على المستشرقين ضعيف ولا يحمل القوة نفسها التي تحملها الاتهامات، وأقترح على الجامعات العربية والإسلامية إنشاء هيئة أو مؤسسة لترجمة ما يصدر عن المستشرقين من أفكار، حتى يعرف العلماء ماذا يقال عن الإسلام ويتمكنوا من الرد عليه بأسلوب علمي من دون تحيز أو تعصب.
ثانيا: يقوم علماء المسلمين بتوعية صادقة شاملة مبنية على العلم والحجة والبرهان فالإسلام من مبادئه وخصائصه أن يحارب العدوان فهو الذي يقول إن المسلم الحقيقي هو الإنسان الذي يأمن الناس قوله وفعله.
وأتمنى على المسلمين الذين يعملون بالقانون أن يركزوا على أن شريعة الإسلام تقول ما معناه أنه إذا استنجد المسلم بالمسلمين في أمر الدين فيجب على المسلمين أن يقوموا بحمايته إلا في قضية واحدة وهو أن يكون هذا الشخص المعتدى له معاهدة كما يقول الله في كتابه العزيز «وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق»، وقد قال عن هذه الآية وزير العهد الفرنسي «لو كانت عندنا في الإنجيل لكتبناها على مداخل كليات الحقوق».
الاستشراق والتصوف
* وما علاقة الاستشراق الإيطالي بالتصوف؟
ـ ليس الاستشراق الإيطالي فقط ولكن هذه العلاقة على مستوى الاستشراق الألماني، فالألمانية «أنا ماري» والتي كانت تعتبر «إمامة» المستشرقين الألمان كانت عضوا في مؤسسة الفرقان التي يشرف عليها الشيخ زكي اليماني، فالفكر الصوفي جذب الكثير من المستشرقين.
وأصبحنا نجد منهم طائفة كبيرة ممن تأثروا بهذا الفكر بل منهم من اعتنق الإسلام من خلال التصوف فلا يوجد علاقة خاصة للإيطاليين بالتصوف، فالمستشرق الفرنسي ماسينيون ألف كتبا عن المقارب المصرية .
وأيضا يعتبر الاستشراق نافذة على التراث العربي في علم النحو أو الصرف أو الحديث وكثير منهم اعتنق الإسلام عن طريق دراستهم لمولانا جلال الدين الرومي المدفون في تركيا، ونحن كمسلمين ينبغي أن نحتفي بهؤلاء المستشرقين الذين وهبوا أنفسهم لدراسات التراث العربي.
* كيف تواجه الثقافة العربية العولمة في رأيك؟
ـ نحن كعرب نرى العولمة مثل الغول الذي يريد أن يفترسنا، وهذا خطأ فالعولمة لها جانبان الأول إيجابي، والذي نرحب به وهو جانب تقدمي في طرحها للتكنولوجيا والتحضر والرقي.
وأقولها بكل صراحة من لا يعرف من اللغات إلا لغته فقد جهل حتى لغته لذلك فإن اللغة العربية ينبغي ألا تخاف من لغة العولمة بل عليها أن تتعامل معها وتتحاور وتتعاون، لأن العربية لا تعادي أي لغة ولا تقوم ضد أي لغة بل العكس فهي تتعاون مع اللغات الأخرى، أما الجانب السلبي منها فهو تغير الهوية والعقيدة.
وأقول وهذا أيضا لا خوف منه إذا كانت لدينا إرادة قوية ووعي يجعلني كشخص أميز بين العولمة الإيجابية والسلبية، وحتى الآن لم نسمع أن العولمة تقتضي منعك من الصلاة أو الصوم أو الحج، وإذا نجحت العولمة في إذابة شخصيتنا فهذا معناه أنه ليس لدينا مناعة علمية، ولم نحافظ على مقوماتنا ورصيدنا من تراثنا العربي وديننا الإسلامي.
* لماذا يهتم كثير من المفكرين والمؤرخين الآن بابن بطوطة؟
ـ حدث هذا بعد أن ترجمت رحلة ابن بطوطة إلى الفرنسية ومنها إلى الإنجليزية ومنهما استطاعت رحلة ابن بطوطة أن ترى النور في عالمنا العربي، ومن خلال اهتمام المستشرقين تنبه العرب إلى قيمة تراث ابن بطوطة ثم باقي الأجناس الأدبية والفكرية المعرفية.
* في رأيك هل نجح الاستشراق من خلال ابن بطوطة في التعرف على الآخر العربي؟
ـ إن اهتمام الاستشراق بتراث ابن بطوطة لم يكن اعتباطًا، لقد وجد المستشرقون في رحلة ابن بطوطة جميع الجوانب التي ينشدونها، لأن الرحلة لم تهتم بعالم المشرق بل اهتمت أيضًا بعالم الغرب الإسلامي، وامتدت إلى عدد من الدول المتباينة في الأجناس والعقائد، وعليه فإن الاستشراق كان يتصرف بنوع من الذكاء والدهاء إذ وجد في الرحلة كنزًا ثمينًا في فهم عدد من القضايا التي لولا ابن بطوطة لما لامس جوهرها قط.
الرباط ـ خالد محمد غازي

