يعتبر جامع المغفور له بإذن الله علي بن غانم بن حمودة الاطلالة الأحدث لبهاء العمارة الإسلامية في سياقها المسجدي في أبوظبي، فلم تمض إلا سبعة شهور لا غيرها على افتتاح هذا الجامع، مما يشكل في ذاته دعوة للاقتراب منه وتأمل ملامحه، في أبعادها الجمالية والإنشائية على حد سواء.

يرجع جانب من اهتمامنا بهذا الجامع إلى أنه يقدم لنا قراءة في الطريقة التي يفكر بها المعنيون بالعمارة الإسلامية في سياقها المسجدي، في مدينة لا مجال إلا لتوقع أن تشهد توسعاً هائلاً في الامتداد الحضري، في المرحلة المقبلة، سواء في استكمال قطع الأرض التي لم تبن بعد في الجزيرة نفسها، أو في التشييد في الامتداد الطبيعي والمنطقي وهو البر الرئيسي المقابل لها.ويتمثل جانب آخر من هذا الاهتمام في المفردات المعمارية التي تم اعتمادها، فالنزعة الإحيائية التي لجأ إليها مصمم الجامع لا تمتد إلى اللجوء إلى عناصر التجديد والإضافة الحداثية إلى التقليد المعماري الممتد طويلاً الذي تم تبنيه، وإنما هذه النزعة، كما يبدو واضحاً من النظرة الأولى، تتسم بالتكرار البسيط للملامح الأسلوبية، مثل القبة والمئذنة وبعض الممارسات الزخرفية المندرجة في صميم المشروع الزخرفي المنفذ هنا.

لكن هذا التكرار لا تواكبه محاولة لتقديم إعادة تفسير معاصرة للأصل التاريخي، الذي تم استحضاره.

هذا المنهاج نفسه في الإنجاز هو الذي تم تطبيقه، مالم تخني ذاكرتي العجوز، في مسجد السيدة صفية بضاحية مدينة نصر في القاهرة، الذي صممه المعماري محمد عبد الله عيسى.

بيت الصلاة في جامع المرحوم علي بن غانم بن حمودة يصافحك بملمح لا يمكن إلا أن يلفت نظرك، وأنت تقف حياله، فالجامع كله مفرغ في حلة قشيبة، يغلب على ظني وإن لم أكن واثقاً من هذا تمام الثقة، أنها من الحجر الصناعي، الذي يضفي جمالية شديدة البهاء على الجامع، حيث التباين اللوني الجميل الذي يستحضر، بلغة أخرى، بهاء الأبلق.

ربما كان هذا الجامع، حديث الإنشاء، من الجوامع القليلة في الإمارات التي تتمتع بهذه الخاصية، حيث درج المصممون على مسايرة الاتجاه السائد في العمارة الإسلامية إلى جعل خارج المسجد منكفئاً على داخله، محتفظاً بالجماليات الزخرفية لهذا الداخل وحده، على حين يبقى الخارج محتفظاً بعناصر القوة والصلابة، في مواجهة البيئة المحيطة، التي لا تفتقر إلى الصعوبة في الظروف المناخية.

في هذا الجامع تستقبلك وجهية ذات عقود ثلاثية، حدوية، عالية، ثنائية الأعمدة، شأن وجهية جامع السيدة صفية.

وقبل أن تدلف إلى الرواق المعمد، دعنا نتأمل قبة المسجد المرتفعة ذات الزخرفة الخارجية أيضاً.

دعنا أيضاً نقف أمام المئذنتين الجميلتين، اللتين تؤطران كتلة بيت الصلاة القوية، المستطيلة، الركينة، ولاحظ أن كل مئذنة تنهض على قاعدة مربعة مشطوفة الحواف، ليرتفع بدنها مثمناً أولاً ثم اسطوانياً، وتزنر قمة كل مرحلة شرفة جميلة، تدور بها المقرنصات، لتنتهي المئذنة بقمة بصلية، تؤكد الانتماء إلى الأصل التاريخي الذي لا تخطئه العين.

قبل أن تدلف إلى بيت الصلاة، توقف لحظة لكي تعجب في سريرتك بهذا التخلص البارع المتمثل في استخدام المئذنتين لإبراز حضور الجامع والحيلولة دون تقزيمه، بفعل الوسط الحضري المحيط بما فيه من بنايات عالية.

وهو تخلص يذكرنا بما لجأ إليه المعماري عبد السلام أحمد نظيف في التعامل مع الوسط الحضري القريب من جامع مصطفى محمود، في شارع جامعة الدول العربية بغربي القاهرة. ما إن تدلف إلى داخل بيت الصلاة حتى تصافح عيناك ملامح مشروع زخرفي جميل بغير إسراف، لا تملك إلا أن تصفه بأنه متعاطف مع الإنشاء.

ما أجمل هذا المحراب الذي يصل في براعة إلى القياس الإنساني، وكم هي جميلة هذه الطاقية التي يعتمرها، والتي تستحضر بهاء الأبلق، من دون أن تتنافر مع الحشوة الخطية المذهبة التي تعلوها.

لاحظ عناق الإنشائي والجمالي في تيجان الأعمدة وأكتافها، وقف لحظة عند هذه الوزرة البديعة، التي تزنر أسفل جدار بيت الصلاة، وتأمل كيف تعاونت جماليات الخشب ودقة الصنعة والزخارف النحاسية، لكي تبدي داخل المسجد في حلة قشيبة، تنافس تلك التي أفرغ فيها خارجه.