يعكف الفنان الفلسطيني علي الكفري منذ فترة طويلة، على استعادة التراث العربي الإسلامي، بشكل جديد ومعاصر، في لوحة واقعية تزيينية مطرزة بالخطوط العربية، ومظاهر التراث المختلفة، وهي لوحة يحرص على ألا تأخذ صيغة تسجيلية جامدة، أو تهدف التوثيق فقط، بل يقدم لوحة فنية تشكيلية متكاملة المقومات، تنتصر لجماليات المكان وخصائصه الحضرية الأصيلة. وتنتمي في الوقت نفسه، لعصرها ووقتها.

والحقيقة فإن اللوحة التي تمخضت عنها انعطافة الفنان علي الكفري، لاقت اهتماما ملحوظا، واحتفاء كبيرا، من المتلقي العربي، بدليل تزايد الطلب عليها ووصولها إلى شريحة كبيرة في الوطن العربي.لقد قادته هذه الانعطافة إلى الينابيع الثرة للتراث الشعبي العربي والإسلامي. ولأنه انكب باجتهاد ودأب على الاستفادة من معطيات وأشكال وعناصر هذا التراث، وتاليا تحقيق لوحة فنية تشكيلية تحاول جاهدة تحقيق معادلة الجمع الموفق والمقنع، بين التراث والمعاصرة، ضمن صياغة بصرية حديثة ، تمتلك خصوصيات صاحبها دون غيره.

اللافت في التجربة الجديدة للفنان الكفري، محاولته الإضافة عليها وتطويرها باستمرار، مع انه قدم خلالها كشوفات بصرية ساحرة قائمة على جملة من العناصر البسيطة والجميلة المأخوذة من المشهد الحياتي اليومي لإنساننا العربي الشعبي: من بيته وموجوداته هذا البيت المتعدد الخامات والاستخدامات والدلائل، والتي تنبه إليها عدد من الفنانين التشكيليين العرب، وقاموا بتوظيفها في لوحاتهم وأعمالهم الفنية المتعددة تقانة وصيغة، ضمن توليفات تشكيلية، وأساليب مختلفة.

ومن هؤلاء الفنان علي الكفري الذي تختزل تجربته الأخيرة، تراثا مجيدا، حمله إنساننا الشعبي جيلا بعد جيل، في فكره وعاداته ومظاهر حياته المختلفة، وقد كانت الحياة الشعبية العربية ولا تزال، الرحم الحنون الذي احتضن هذا التراث وحافظ عليه وجسده باستمرار.

الفنان علي الكفري الذي يبحث باجتهاد في معطيات هذا التراث وعناصره ورموزه وأشكاله المختلفة والعديدة، انتخب من هذا العالم النابض بالحيوية والجماليات البصرية البسيطة، المقومات الرئيسة للوحته، ثم قام بتوظيفها ضمن تكاوين متماسكة كعناصر تشكيلية،تضج بالحركة والحيوية في آن معا.

شيد الفنان الكفري لوحته هذه على العلاقة المدروسة بين المساحات اللونية الواسعة المتدرجة والمطرزة بعناصر ناعمة، لا تقحم نفسها على العناصر الأخرى في اللوحة، بل تتعايش معها بكل انسجام وتوافق، وهذه المنمنمات الناعمة في الغالب، آيات قرآنية، ونصوص، وحكم، وأقوال مأثورة، وعبارات وزخارف مختلفة، يحرك بها الفنان الكفري المساحة اللونية الواسعة، مانحا إياها عمقا دلاليا معبرا، يبحث عنه المتلقي العربي ويريده في الأثر الفني الحديث.

وبفعل المواظبة الدؤوبة والمستمرة على الإنتاج والعرض، حققت تجربته تطورا متسارعا جعل منها إشارة بارزة في ساحة التشكيل العربي المعاصر. فلقد أصبحت لوحة علي الكفري، تكتنز على خبرات فنية وتقنية وتعبيرية كبيرة، تجعل منها مجالا حيويا مرغوبا ومطلوبا من عين المتلقي العربي وأحاسيسه..

. هذا المتلقي الباحث دائما وأبدا، عن جماليات الحياة الشعبية العربية الأصلية التي تاه عنها طويلا الفنان التشكيلي العربي، عندما أخذته التيارات الأوروبية الحديثة وسيطرت عليه ردحا من الزمن.

الفنان الكفري اهتدى إلى مناهل هذه الجماليات البصرية الشعبية وعكسها في لوحته، عبر صيغة تشكيلية جديدة، تراكمت فيها الخبرات التوليفية والتقانية والتعبيرية، ما جعل منها وليمة بصرية ساحرة لا تمتع العين فحسب، بل وتمطر فوق الأحاسيس سحرا مطعما بنكهة الأصالة، وحميمية الانتماء إلى الجذور.

محمد شاهين