ذكرنا سابقاً حكاية من التي يرويها المؤرخون عن مخاريف الأولياء، ولكي نزيد الصورة وضوحاً، نذكر الآتي: يقال إن ذا النون المصري (246ه) أحد أئمة أهل التصوف، لما مات أظلت الطيور الخضر جنازته ترفرف عليه إلى أن وصل لقبره، فلما دفن غابت!!

ويروى عن الجنيد، سيد الطائفة أنه كان يصلي كل ليلة أربعمائة ركعة، وعندما يفتح حانوته يسبل الستر ويصلي أربعمائة أخرى، ثم يرجع إلى بيته، فضلاً عن أنه كان يعلم خواطر الناس على بعد، ويقرأ ما في ضمائرهم وما تكنه سرائرهم. الحقيقة لا أدري متى يأكل الجنيد ومتى ينام؟

ويعيش حركة الحياة المفروضة علينا في تدبير معاشنا وإعالة أولادنا، وكيف يبيع في حانوته بعد كل هذه الركعات، ثم إن عمله في حانوته عبادة وجهاد في الحياة. وحكاية ثالثة وأخيرة بطلها إبراهيم بن أدهم، تقول: جلس تحت شجرة وهو في طريقه إلى بيت المقدس فطلبت منه ثلاث مرات (أي الشجرة!!) أن يأكل منها، وكانت شجرة قصيرة ورمانها حامض فاستجاب وأكل منها، فطالت وحلا رمانها، على حد تعبير السبكي الذي أورد العديد من هذه المعجزات وجوز وقوعها على يد البشر.

إن القضية المحيرة، والمصيبة العظمى، أن كتب طبقات الصوفية وتراجم العلماء، وكرامات الأولياء، محشوة بمثل هذه الحكايات والخرافات والأساطير، على أنها حقائق وقعت وأمور مسلم بها، ويروون قصصاً لهؤلاء الصوفية، تتضاءل بجوارها معجزات الأنبياء وتتوارى، فهذا رجل مات وقام أصحابه يغسلونه، فأخذوا يرفعون أيديهم ويقرأون آيات من القرآن فرفع يده معهم وأخذ يؤمن على دعائهم، وهذا يطير في الهواء بلا جناح،

وذاك يفتح الأبواب المغلقة بلا مفتاح، وثالث يمشي على الماء كأنه السيد المسيح، ورابع وخامس، يعلم أسرار الناس ويقرأ الغيب ويحول التراب ذهباً، وعنده المقدرة أن ينتقل من القاهرة إلى المغرب لأنه الشيخ أبو خطوة وهكذا. ونرد على كل ذلك، أن كل ما عدا المعصوم فمأخوذ منه ومردود، وكل هذه الحكايات وغيرها مردودة ومرفوضة بمعيار الدين، واستدلال العقل، والإيمان بها يؤدي إلى الفوضى العقلية وإهانة للعقل، بل إلغائه كلية، واضطراب قوانين الحياة، ليس هذا فحسب بل هدم لقوانين الطبيعة التي بثها الله في الكون لكي تنظم حركته «ولن تجد لسنة الله تبديلاً».

هذه نقطة، والأخرى أن إيماننا بالكرامات يعد من أسباب تخلفنا وعدم اللحاق بالحضارة المعاصرة وتفضي إلى تعطيل القوانين الطبيعية كأن هذه القوانين لعبة في أيدي نفر من أصحاب القلوب الورعة الطيبة على حد تعبير الدكتور زكي نجيب محمود، والنقطة الثالثة أن هذا الكلام يؤدي إلى تعطيل الأسباب، وإنكار للعلة والمعلول، بل ونقض للشريعة ذاتها، إذ أن جميع أوامرها ونواهيها معللة بالعلل والأغراض،

حتى إذا لم نعرف العلة فيما وراء أي حكم من الأحكام، فإن ذلك لا يقدح في مسألة تعليل الأحكام. فنحن حينما نصوم شهر رمضان تنفيذاً للأمر الالهي، نبحث ما وراء ذلك من فوائد تعود على الإنسان، فنقول إنه يهذب النفوس، ويرقق العواطف، ويملأ القلب طمأنينة ورحمة، ويدفع الإنسان إلى أن يحس بشعور الفقير ويشاركه آلامه وهمومه وأحزانه، ويدرك نعمة الله التي أسبغها عليه، وفيض كرمه فيتقرب إليه بالعبادة، وموجز القول، إن كل سلطان شخصي يزعم أن له أصلاً خارقاً للطبيعة فات أوانه في تاريخ البشر فيما يقول محمد إقبال.