الحمدوني الشاعر قصد وجيها هو أحمد بن حرب فامتدحه، فأعطاه طيلسانا. والطيلسان هو القفطان فلم تُرْضِه هذه العطيّة خاصة وقد وجده غير جديد.. فأنشد فيه قطعا من الشعر.. ركز فيها على قدم الطيلسان وأنه مليء بالرفو أي الإصلاح المتقن ثم كثيرا ما كان يختتم القطعة متمثلا بجزء من آية أو بحكمة.. وكان كلما نظم قطعة حفظها الناس حتى اضطر صاحب الطيلسان أن يترك البلدة مدة إلى أن هدأ الأمر. من ذلك قوله:
يا ابن حربٍ كسوتَني طيلسانًا
مَلَّ من صُحْبة الزمان وصَدَّا
فحَسِبْنا نسجَ العناكبِ قد حا
لَ إلى ضعف طيلسانِك سدَّا
طال تَرْدادُهُ إلى الرفو حتى
لو بعثناهُ وحْدَهُ.. لتهدَّى
ومن قوله أيضا:
قلْ لابْنِ حَْرٍبٍ طَيْلَسا
نُكَ قومُ نوحٍ منه أحْدَثْ
أفْنَى القرونَ ولم يزلْ
عمّنْ مضى من قبلُ يورثْ
يُودِي إذا لمْ أرْفُهُ
فإذا رفوْتُ فليس يَلبَثْ
كالكلبِ إن تحمِلْ عليهِ
الدهرَ أو تتركْهُ يلهثْ
ومن قوله أيضا:
وهبْتَ لنا يا ابن حربٍ طيلساناً
يزيد المرء ذا الضِّعة اتضاعا
أُجيلُ الطرفَ في طرفيه طولاً
وعرضا ما أرى إلاّ رِقاعا
فَلَسْتُ أشُكُّ أنْ قدْ كانَ قِدْماً
لنوحٍ في سفينته شراعا
وفيه يقول:
فيما كسانِيهِ ابنُ حربٍ مُعتَبَرْ
فانظرْ إليه إنَّهُ إحدى الكُبَرْ
قد كان أبْيَضَ ثم ما زِلْنا به
نَرْفُوه حتى اسْوَدَّ من صدأِ الإبرْ
وهكذا أثر الشعر يعلق بالقلوب، حتى قد يؤثر على الشاعر نفسه وكم من شعراء اشتهروا بألقاب ما كانت تخطر لهم على بال وإنما تسبب فيها بيت أو بضعة أبيات نظمها هو. من ذلك الشاعر الذي كان يسمى (عبدالله بن مصعب) وكان واليا على المدينة المنورة للخليفة العباسي هارون الرشيد.. وروي أنه مرض فلم يَعُدْهُ أحد.. ويبدو أنه كان مجاملا.. فشق عليه الأمر حتى نظم فيه شعرا فقال:
مالي مرضْتُ فلم يَعُدْني عائدٌ منكمْ ويًمْرَضُ كلبُكُمْ فأعودُ
فاشتهر بعائد الكلب حتى طغت هذه الشهرة على اسمه.
وشاعر آخر
وهذا شاعر اسمه (شاس بن نهار) أنشد قصيدة لعمرو بن هند يستعطفه فيها.. ويستنصره على أعدائه..حتى قال فيها:
فإنْ كنْتُ مأْكولاً فكن أنت آكلي وإلاَّ فأدركني ولمّا أُمَزَّقِ
فسُمِّي (المُمَزَّق) وغلبت الشهرة على اسمه الأصلي حتى أصبح لا يكاد يعرف إلا بها
وأبو العيال
وهذا شاعر حاولت البحث عن اسمه فلم أوفق قط وقد عُرف بأبي العيال وأغنى لقبه عن اسمه.. وذلك لأنه كان قد أنشد أبياتا قال فيها:
ومن يكُ مثلي ذا عيالٍ ومُقْتِراً
من المال يطرَحْ نفسه كلَّ مَطْرحِ
ليبلغَ عُذراً أو يُصيبَ رغيبةً
ومُبْلِغُ نفسٍ عذرَها مثْلُ مُنْجَحِ
وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.