ولد الشيخ نديم الجسر بطرابلس عام 1315هـ ـ 1897م، في اسرة مصرية الأصل، تلقى بعض المعارف على يد والده العلامة الشيخ (حسين الجسر) بعد وفاة والده كفله شقيقه الشيخ (محمد الجسر) الذي كان من ابرز رجال السياسة في طرابلس.
أتم دراسته في حمص ثم في بيروت، والتحق بالعمل في سلك القضاء وتولى عدة مناصب منها: مستشار بمحكمة الاستئناف، وعضو بمجلس العدل والقضاء الشرعي، حيث قام بتنظيم دائرة الأوقاف الاسلامية، ثم انتخب سنة 1377هـ ـ 1957 م نائباً عن مدينة طرابلس بمجلس النواب، ثم مفتياً لشمال لبنان، وعضواً في مجمع البحوث الاسلامية بالأزهر، وقد توفي سنة 1400هـ ـ 1980م، وبعد وفاته اطلقت جمعية مكارم الاخلاق الاسلامية بطرابلس اسمه على قاعة مكتبتها اعترافاً بفضله وعلمه.
قضى الشيخ نديم الجزء الأكبر من حياته في مقاومة الاستعمار الذي سيطر على الوطن العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، وأخذ يقاوم اساليبهم ويكشف أهدافهم الساعية الى اشاعة الفتنة بين العرب والعجم، أو بين السنة والشيعة..!
كما دافع الشيخ نديم عن عروبة لبنان، مؤكداً ان اللبنانيين كلهم عرب، حتى ولو كانت لهم اصول غير عربية، لأنهم توحدوا تحت لغة واحدة، وان تعددت الاديان، وان وحدة الدين ليست شرطاً اساسياً في تكوين الوطن. واشار الشيخ نديم الى ان ازدهار الوطن يكون بتعاون ابناء الوطن جميعاً، مسلمين ومسيحيين، فلا تفرقة في بلد عربي بين مسلم ومسيحي، حيث يتجاور المسجد والكنيسة وقد كفل الاسلام لغير المسلم حق العبادة..!
كما تناول الشيخ نديم في المجال السياسي، نكبة احتلال فلسطين من قبل الصهيونية العالمية ودعا الى يقظة العرب جميعاً على اختلاف اديانهم لمواجهة الصهيونية، وأكد ان دولة اسرائيل الى زوال لأنها محرومة من الأمان الكافي لاستمرار وجودها، مثلها مثل الصليبيين الذين استطاع العرب ان يطردوهم من بلادهم، وان معونة الدول الغربية لهذا الكيان المصطنع لن تدوم، وتاريخ العلاقات المسيحية اليهودية تشهد على انه ليس بينهما عاطفة او مودة، وان النصر في النهاية للعرب بعد ان يتحدوا ويأخذوا بأساليب التقدم العلمي.
كما عالج الشيخ نديم في هذا المجال الاجتماعي عدة مشكلات وآفات، وجد انها تهدد كيان أمته وحدد طرق العلاج المستمدة من تعاليم الاسلام، وكان على رأس هذه المشكلات:
الاقتصاد والاخلاق والاسرة والمرأة
اما في المجال الاقتصادي فقد وجد ان من الآفات التي اصابت المجتمع العربي الاسراف والتبذير، فدعا الى قيام المشرع بالحجر على المبذر حتى يحفظ له ماله، وان الاسراف يؤدي الى الافساد. واشار الى انه من اهم الفضائل التي يجب ان يتحلى بها المسلم فضيلة الحرية، فهي سر التقدم والرخاء، وهي وسيلة انشاء الحضارة الراقية، ووسيلة العقل لتحقيق كرامته، وان الاسلام قد نص صراحة على حرية الانسان في التفكير والعبادة واعتبرها من الامور البديهية.
وقد تحدث الشيخ نديم عن حق المرأة في العلم وان في تعليمها اصلاحاً للمجتمع بأسره لأن المرأة نصف المجتمع، وهي المسؤولة عن تربية النشء الذي هو مستقبل المجتمع، ونادى بحريتها في اختيار الزوج، وحريتها في التصرف في اموالها، وحق العمل في الوظائف العامة بل رأى ان الاسلام قد اجاز لها ان تتولى القضاء. وتضمنت اسهامات الشيخ نديم لاصلاح المجال الديني الاهتمام بأمرين:
الأول: اصلاح المؤسسات الدينية، والثاني: آصلاح المجال الفكري.
اما عن اصلاح المؤسسات الدينية، حاول الشيخ نديم علاج بعض المشكلات التي لحقت بالمحاكم الشرعية، ودعا الى حسن اختيار القضاة الشرعيين والاشراف على اعمالهم ومحاسبتهم عليها، وان تتم مراقبة المحاكم الشرعية مراقبة صارمة من خلال هيئة من كبار القضاة المسلمين. كما حاول اصلاح دائرة الاوقاف، وشرع في اعداد فرق المراقبة والمراجعة على اعمالها ووضع دراسة للاستفادة من الاوقاف الاسلامية، كما كانت دار الفتوى من المؤسسات التي اولاها الشيخ نديم جهوده الاصلاحية.
اما الاصلاح الفكري، فقد تمثل في عدد من الاعمال الدينية الفكرية التي قدمها الشيخ نديم محاولاً اظهار حقيقة الاسلام وتخليصه مما لحق به من اوهام، فاتجه الى تفسير القرآن والتدليل على اعجازه، حيث ان الاعجاز لا يظهر في بلاغته فقط، بل هو معجز لكل علماء الطبيعة والاجتماع والنفس والتربية والفلسفة والتاريخ بما يكشف لهم من حقائق. وتناول في تفسيره للقرآن، مسألة المحكم والمتشابه، وعرف كلاً منهما بأن المحكمات هي الأصل والأساس الذي ترد اليه الفروع، والمتشابهات هي ما تتحير العقول في فهمها، وطلب من المؤمنين رد المتشابهات الى المحكمات حتى يخلص الفهم من الالتباس.
والفيلسوف في رأيه يتلاقى مع النبي في شيء واحد: وهو الايمان بوجود الله، وقد حث على طلب الاستزادة من الفلسفة والتعمق في دراستها، حيث لا تتعارض مع الايمان، وطالب رجال الدين بالاقبال على دراسة الفلسفة للاطلاع على اسرار الوجود..! ومن اهم مؤلفاته:
قصة الايمان بين الفلسفة والعلم والقرآن، وقد تم ترجمة هذا الكتاب الى عدة لغات. وهو كتاب هام جداً في بابه وهو مناقشة مسألة الايمان، بالبراهين المضيئة البسيطة وقد تخيره عدد كبير من اهل التربية ليقرأه الشباب ويتعلمون كيف يحصنون انفسهم بدلائل الحق في مواجهة شبهات الباطل المزاحمة لأهل الحق. غريب القرآن ومتشابهه، يشرح فيه معاني الكلمات الصعبة الواردة في القرآن. القرآن والسنة في التربية الاسلامية، جمع فيه الآيات والأحاديث النبوية التي تتحدث عن الفضائل.
فلسفة الحرية في الاسلام يبين فيه صلاحية الاسلام لمعالجة مشاكل المجتمع الحديث. تراثنا بين التقدمية والرجعية، ورأى فيه ان التراث الاسلامي لا يعارض التقدم، بل يدفع اليه. ركائز التفكير الاسلامي، واشاد فيه بدور العقل وأهميته في الاسلام، هذا بالاضافة الى كتبه الاخرى ومنها: (الاسلام في العالم المعاصر)، (وجوه الحكمة والانصاف)، (شبابنا المثقف امام الايمان والتدين)، (الجواب الإلهي)، (موجز الفلسفة الغربية)، (مجموعة سمر النديم)، (قانون السببية عند الغزالي)، هذا بالاضافة الى مجموعة من اشعار وخطب ومحاضرات.
وقد قدم بحثاً امام المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الاسلامية في اكتوبر 1966 تحت عنوان (القرآن في التربية الاسلامية) جاء فيه قبس من آيات فكره، ومما جاء فيه: (القرآن والعقل ـ ولما كانت الانسانية في عصورها الأولى غير مستعدة بعقولها وتجاربها لإدراك حدود الحق والخير ادراكاً كاملاً، وهي بالتالي عاجزة عن تحديد مكارم الاخلاق ومساوئها تحديداً متكاملاً كان الوحي السماوي يتولى هذا التحديد، بأوامره ونواهيه، على ايدي الرسل فترة بعد فترة،
ولما بلغ عقل الانسانية، في التطور والتكامل، الجد الذي تستطيع معه ان تعتمد على عقولها في معرفة الحق والخير، انزل الله سبحانه آخر كتبه على آخر رسله، وجعل للعقل بمقتضى هذه الشريعة الاخيرة السلطان الأعلى في ادراك حكمة ما حدده القرآن من المبادئ العامة، لخدمة الحق والخير ومكارم الاخلاق، وفي مراعاة هذه الحكمة، على اساس تلك المبادئ فيما سيكون من احداث ووقائع. وهذا السلطان العقلي، الذي امر الله الناس في آيات كثيرة من القرآن ان يحتكموا اليه، هو سلطان مطلق شامل، يتناول بسلطته كل معنى في الوجود، ابتداء من فهم اتفه الأشياء، كإماطة الأذى عن الطريق، الى فهم اعظمها وهو معنى الألوهية).. رحمه الله رحمة واسعة.