تتن بضم التائين هو التبغ أو التنباك كما كان يسمى قبل عقود في بلاد الشام، وتتن هنا أي دخن بصيغة الطلب أو الأمر، وهو تعبير دارج على لسان بعض كبار السن هناك، وهو يعني دخن فتنجلي نفسك ويرتاح رأسك وتنسى وتسلي عنك همومك ومشاكلك. وتجديد الخطاب الديني وتنوير الفكر الإسلامي بكل ما قيل عنه وفيه تمخض أخيراً عن فتوى تتصل بالتعبير السابق وهو أن الدخان والتدخين لا حرمه فيه وأنه لا يفطر الصائم في رمضان وغيره.

والمصيبة أن هذا كلام يصدر عن أناس تجاوزوا جميعاً السبعين، وهذا يعني أنهم على أبواب الآخرة وقدم الواحد منهم هنا في الدنيا والأخرى في القبر فما الذي يدفع أمثال هؤلاء إلى هذه المغامرات الخطيرة على دينهم وأخراهم.

ولنقل أولاً أن الاجتهاد والفتوى شيء والثفاقة والفكر الإسلاميين شيء آخر، فعلى الساحة كثيرون من الكتاب والمفكرين بخيرهم وشرهم، جديدهم و قديمهم، ونافعهم وضارهم ولكن هؤلاء لا يصلحون للفتوى ولا يمتلكون شروط الاجتهاد ومن الخير لهم أن يلزموا حدودهم فلا يتجاوزونها، ثم ما هي القيمة والفائدة المرجوة في تحليل الدخان والجزم بأنه غير مفطر في رمضان والدخان كله شر وهو من الخبائث التي لا يختلف فيها اثنان، أو بعبارة أخرى ما الذي دفع سادتنا المحللين للتبغ في هذا الوقت لشغل أنفسهم وشغل الناس بمسألة كهذه ؟ وهل حلت جميع مشاكلنا وانتهت معضلاتنا الفقهية ولم يبق إلا تحليل «السيجارة» أو «الأرجيلة» للصائم وللمفطر.

التدخين عند هؤلاء ليس حراماً ولا يبطل الصيام، وشيوع التحريم وإجماع العلماء عليه في رأي سادتنا المحللين أمر لا يؤخذ به ولا يؤبه له. الدخان عندهم ليس جرماً يدخل إلى الجوف ليفطر بل هو يستنشق استنشاقاً مثله مثل غبار الطريق أو رذاذ الماء أو حبات غربلة الطحين ـ وهذا خبث فظيع- إذ أن الدخان يستنشق عمداً ولا وجه لتشبيهه بالغبار والرذاذ، والتدخين عندهم حلال لأنه لم يرد نص واحد في الكتاب أو السنة بتحريمه،

سادتنا المحللون هنا يتجاهلون أن في الاجتهاد قياس وإجماع ومصالح مرسلة وأن للتحريم عللا وللإباحة شروط، فالتدخين حديث العهد ولن يجد حد في القرآن والسنة ما يحرمه وليقل لنا سادتنا هل هذه القاعدة الذهبية عندهم تنطبق على الحشيش والمورفين والأفيون وغيرها من المخدرات!! أما الطرفة المضحكة المبكية فهي قولهم أن تحريم الدخان والقول بتفطيره للصائم يخالف روح الإسلام الذي يؤثر التيسير ويعزف عن التعسير والتضييق الذي يوقع موقع الدين في حرج وقد يجاوز إطار الطاقة والوسع.

أليس هذا بربكم كلام مجانين؟! وما سر هذا الدفاع عن التدخين حتى في رمضان؟! وما الذي يجعل هؤلاء ومنهم من أصحاب العمائم يحرصون على تأكيد هذا المعنى الشاذ هذه الأيام؟ ويصرون على تخطئة جميع العلماء والهيئات ومؤسسات الإفتاء التي أكدت على تحريم التدخين وتفطيره للصائم.و نقول لهؤلاء، منذ أن وعينا هذه الدنيا ونحن نعرف أن الدخان يفطر الصائم، ثم أنه منذ أكثر من عشر سنين أجمع علماء المسلمين على تحريم التدخين لثبوت ضرره، والدخان خبث من الخبائث لا يصح فيه إلا قول مالك في الخمرة، والإسلام لا يرضى لعباد الله أن يقتربوا من الخبائث.

لسنا هنا في موضع الجدل الفقهي لأننا ولأنهم لم نبلغ مستوى العلم والخبرة اللازمين للاجتهاد، وإنما نصر على أن هذه الفتوى أو القول الذي صدر عن البعض هراء في هراء، ولا يستحق أن يناقش أصلاً ونحن هنا لا نناقش ولكننا ننبه ونحذر. هل سيأتي يوم نرى فيه بعض أصحاب العمائم يدخنون ـ حسب الفتوى الأخيرة ـ وهل سيأتي يوم يدخن فيه المرء وهو يقرأ القرآن أو وهو صائم في رمضان، وهل خلوف فم الصائم عند الله كالمسك دون تدخين أو معه.

أخشى ما أخشاه أن يكون ساداتنا ممن أصدروا هذه الفتوى لم يقبضوا ثمنها ملايين من الدولارات من شركات ومعامل صناعة التبغ والدخان ، لأن هذا سيكون منتهى الحماقة ومنتهى الجهل بما تحرص عليه هذه الشركات وبما تدفع مقابله المال الكثير، فإن ساء كلامنا واحداً من مشايخ التدخين لا نملك إلا أن نناوله سيجارة ونقول له: لا تهتم يا شيخ تتن عليها تنجلي.