وتمضي أيام رمضان ومع كل لحظة تمر يزداد المسلم سمواً ورفعة، لأنه عاش فترة روحية صقلته وهذبت من أخلاقه وتصرفاته، لذلك تجده ينهض لعمل الخير بدافع المروءة والأخلاق الفاضلة التي يتحلى بها والتي كان للصوم أثر في رقيها وسموها. وآداب الإسلام العالية تدعو إلى تحقيق الخير والحب والسلام بين الناس، والسير بهم في الطريق الموصل لمرضاة الله، فلو سار المسلم في الطريق تجده عفاً طاهراً، لا ينظر إلى ما حرم الله ولا يقترف إثماً أو ذنباً، لأنه يعرف أثر ذلك عليه في الدنيا والآخرة،
وإذا وجد في طريقه من يريد المساعدة أعانه وساعده على تحقيق مآربه وأخذ بيده كأن يرشد ضالاً أو يهدي الأعمى أو يساعد الآخرين في حمل متاعه، يفعل ذلك وهو يشعر في قرارة نفسه أن السعادة تملأ كيانه وأن المروءة التي يتحلى بها تدفعه دائماً إلى كل عمل نبيل يرجو به رضوان الله عز وجل.
روي عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة: في كل يوم طلعت فيه الشمس، قيل: يا رسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها. فقال: إن أبواب الخير كثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإماطة الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك. (رواه ابن حيان في صحيحه والبيهقي مختصراً). وزاد في رواية: وتبسمك في وجه أخيك صدقة، واماطتك الحجر والشوكة والعظم عن طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة لك صدقة.
يريد المصطفى صلوات الله عليه وسلم أن يتحلى الإنسان بخلال الخير والمروءات ليملأ صحيفة حسناته ويكسب أجر الله تعالى، والمسلم الموفق هو الذي يغتنم فرصة شهر رمضان ويكثر من الحسنات، لأنها مضاعفة الأجر فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: من تقرب فيه (أي رمضان) بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وفي شهر رمضان تبدو المروءة واضحة في الأسرة المسلمة الصالحة، حيث يبذل كل واحد فيها جهده لتحقيق السعادة له وللمحيطين به ولا يتوانى عن فعل الخير ومساعدة الآخرين.
روى عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره. (رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم). وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً (أي الهينون المتواضعون حسنوا المعاملة) الذين يألفوه ويؤلفون (أي الذين يحبهم الناس ويحبون الناس) وإن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العيب. (رواه الطبراني في الصغير والأوسط).
والإنسان العاقل هو الذي يلزم إقامة المروءة بما قدر عليه من الخصال المحمودة وترك الخلال المذمومة. ويختلف الناس في كيفية المروءة، فمن قائل: إن المروءة إنصاف الرجل من هو دونه، والسمو إلى من هو فوقه، والجزاء بما أثنى إليه، ومن قائل: مروءة الرجل: صدق لسانه واحتماله عثرات جيرانه، وبذله المعروف لأهل زمانه وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه، ومن قائل: المروءة حسن العشرة وحفظ الفرج واللسان وترك المرء ما يعاب منه ومن قائل: المروءة: إذا أعطيت شكرت، وإذا ابتليت صبرت وإذا قدرت غفرت، وإذا وعدت أنجزت.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: اختلفت ألفاظهم في كيفية المروءة ومعاني ما قالوا قريبة بعضها من بعض، والمروءة عندي خصلتان! اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يحب الله والمسلمون من الخصال. ومن المروءة التي تعمل على تحقيق السعادة بين الناس ان يعامل المرؤوس رئيسه في العمل بأدب جم والتزام بآداب المهنة، فلا يعلو صوته بحجة الصيام حتى لا ينعكس ذلك عليه بالسلب، الأمر الذي قد يؤثر على سلوكه في البيت، ومن المروءة أيضا ان يعامل الرئيس مرؤوسيه بالعدل والإنصاف والإخلاص، فلا يحابي أحدا على أحد لقربه منه، أو لتملقه إياه ويحرص على أن يأخذ كل واحد حقه، كي تسود السعادة دنيا العمل.
روى عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى مسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. (رواه مسلم). ومن الأخلاق الفاضلة التي تكون سببا في اضفاء السعادة على افراد المجتمع وخاصة الأقارب صلة الرحم، وهذا الأمر لا يقتصر على شهر رمضان فحسب بل يجب ان يكون على مدار العام. قال القرطبي: الرحم التي توصل: عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين وتجب مواصلتها بالتوادد والتفاصح والعدل والانصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، وأما الرحم الخاصة فتزيد النفقة على القريب وتفقد له أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم. وهذا ولاشك يدخل السعادة عليهم.
وقال ابن ابي جمرة: تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة ويدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء، والمعنى الجامع، ايصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة. روي عن جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مجتمعون، فقال: يا معشر المسلمين اتقوا الله وصلوا أرحامكم، فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم (أي يكافئ الله تعالى واصل رحمه بزيادة الخير بسرعة) وإياكم والبغي (أي الظلم) فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة بغي وإياكم وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم ولا جار إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين.
وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء.