يصور القرآن الكريم مشهد الحياة والموت والبعث في آية، حين تعجب هذا العبد من دمار وخراب لحق بقرية فهوت فأصبحوا عظاماً نخرة، وأجساداً بالية. وها هو الذي مر على هذه القرية يطلق العنان لعقله يفكر في هؤلاء الأموات وكيف ينتشرون وتلك الأجساد كيف تبعث بعد أن أصبحت أديماً للأرض؟
ويقص القرآن ذلك:«أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال إنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام حيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير» سورة البقرة .
هذه خارقة.. فكيف كان وقوعها؟ كما تقع كل خارقة وكما وقعت خارقة الحياة الأولى، الحقيقة التي ننسى كثيراً أنها وقعت، وأننا لا ندري كيف وقعت! ولا ندري كيف جاءت؟ إلا أنها جاءت من عند الله بالطريقة التي أرادها الله، وأنها تتكرر أمام أعيننا ليلاً ونهاراً.. فلنأخذ منها العبرة.. وقد اختلف الكثير في من هو الذي مر على قرية ؟ روى ابن حاتم عن عصام بن رواد، عن آدم بن أبي إياس عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عزيز.
كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن، وقتادة والسدي، وسليمان بن بريدة. أما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها. وذهب البعض الآخر بالقول لم يفصح عن اسم المار ولا عن القرية، ولو شاء الله لأفصح، ولو كانت حكمة النص لا تتحقق إلا بهذا الإفصاح ما أهمل في القرآن.
إن المشهد يرتسم للحس قوياً واضحاً موحياً، مشهد الموت والبلى والخواء.. ترتسم بالوصف ( وهي خاوية على عروشها ) محطة على قواعدها. ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها فهي عبارة عن ركام من الأحجار والعظام. لم يوجد فيها نسمة حياة، لدرجة أن الوحوش والهامات تتحاشى دخولها فتعجب المار قائلاً ( إنى يحيي هذه الله بعد موتها )؟!! .
لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود مستاء مما آلت إليه من خراب ودمار ان القائل ليعرف أن الله هناك ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه جعله يحار ويتعجب ويقول: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء.. وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وإيحاءاته، فيرسم المشهد كأنما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر: ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها).. كيف يدب الحياة بعد هذا الموت.. وهذا الخراب والدمار في القرية ؟
( فأماته الله مئة عام ثم بعثه) قيل ان البلدة عمرت بعد سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها، وتراجعت بنو إسرائيل إليها. لم يقل له كيف.. إنما أراه الله في عالم الواقع كيف؟ فالمشاعر والتأثرات تكون أحياناً من العنف والعمق بحيث لا تعالج بالبرهان العقلي، ولا حتى بالمنطق الوجداني، ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان، إنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة التي يمتلئ بها الحس، ويطمئن بها القلب، دون كلام! وعندئذ يسأله الله بواسطة الملك:
( كم لبثت ) ..؟ قال: ( لبثت يوماً أو بعض يوم). ومع أن الله تعالى أخذ به مئة عام أغمضت عيناه، وتخاذلت ركبتاه، ودخل في نوم مشتمل، وكأنه لحق بمن في القبور، ومرت مئة عام، وهرمت أطفال، وفنيت أعمار، وارتحلت شعوب، وتقوضت سروح. لقد أذن الله أن يفصل في قضية حار الناس في أمرها، واستعجم عليهم طريقها، واختلفوا في تقريرها بحكم يلمسونه بأيديهم أو يقع تحت حسهم وأبصارهم، وحين يسأل.. كم لبثت؟ لا يدري؟ غير أن الله قد أخذ به ( أمانه) في أول النهار ثم بعثه في آخره والشمس باقية، فظن أنها لم تغب وظن أنها شمس ذلك اليوم !!
وكان الخطاب بواسطة الملك: ( كم لبثت؟). قال: ( لبثت يوماً أو بعض يوم). قال الله له بواسطة الملك: ( بل لبثت مئة عام). وكانت آثار المئة عام محسوسة لم تكن في طعامه وشرابه، ولكن كانت في حماره.. والعظام والأشلاء كما كانت كذلك في شخصه. فالطعام لم يتسنه؟.. لم يتغير، وهذه خارقة يطلعه الله عليها.. الفاكهة غضة رطبة والشراب لم يتغير. ثم سأله الله بواسطة الملك:
( وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً ). والتعبير القرآني هنا واضح أن العظام هي عظام حماره، ولو كانت عظامه هي التي تعرت من اللحم - للفت هذا نظره عندما استيقظ، ووجد جسمه كذلك. ولما كانت إجابته: ( لبثت يوماً أو بعض يوم)..
لذلك نرجح أن الحمار هو الذي تعرت عظامه وتفسخت.. ثم كانت الآية في ضم هذه العظام بعضها إلى بعض وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسسه البلى، ولم يصب طعامه وشرابه ولم يتعفن. ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد، ومعرضون لمؤثرات جوية وبيئة واحدة.. آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء، والتي تتصرف من كل قيد ليدرك الرجل كيف يحيي هذه الله بعد موتها.. بعدما وصل الحال إلى هذه الحد. عظام نخرة وأشلاء عفا عليها الزمن.. مئة عام تهاوت وخارت مفككة الأوصال. هاهو الآن يراها بعينيه تجمع.. تركب على بعضها.. ينشرها الله فيرفع بعضها فوق بعض.. ثم تكسى باللحم وتحيا بقدرة الله المطلقة.