قال داود فيما يخاطب ربه: يارب، أي عبادك أحَبُ اليك احبه بحبك؟! قال: ياداود، أحب عبادي إلي: تقي القلب .. نقي الكفين .. لا يأتي إلى أحد سوءاً ولا يمشي بالنميمة .. تزول الجبال ولا يزول .. أحبني وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادك؟ فقال داود: يارب إنك لتعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك .. ؟! فقال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونقماتي .. يا داود ..، إنه ليس من عبد يعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته إلا اثبت قدمه يوم تزول إلا قدام رواه البيهقي، وابن عساكر، عن أبي عباس (رضي الله عنهما).
سيدنا داود عليه السلام الذي أوحى إليه ربه بهذا الحديث، كان شديد المحبة لله عز وجل وكان أحرص ما يكون على رضاه وطاعته على الرغم من الله سبحانه وتعالى أعطاه من الملك والحكمة مما لم يعطه أحد .. لكن رغم هذا العطاء الرباني لداود .. إلا أن محبة الله عز وجل كانت أحب إليه من كل هذا الملك ... وذلك لأن حب الله تبارك وتعالى أغلى مافي الوجود، وهو أعظم الآمال جميعاً، فلا يوجد العبد الصالح ـ مهما قرب من الله ـ أكثر من حب الله تبارك وتعالى، لأن الله إذا أحب عبداً، أحبه كل شيء في الوجود.
وهنا نحرص على الصفات التي يحبها الله سبحانه وتعالى فنتحلى بها حتى يحبنا الله عز وجل وأول هذه الصفات هي «تقوى القلب» وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه فالقلب محل التقوى والخشوع أيضاً محله من القلب وفي حديث شريف «المرء بأصغريه، قلبه ولسانه»، فإذا خشي الإنسان ربه في السر كما يخشاه في العلن فهو تقي.
والصفة الثانية التي يحبنا بها الله عز وجل هي «نقي الكفين»: أي لا يمد يده إلى الحرام مطلقاً، فقد ارتزق من حلال ومطعمه حلال ومشربه حلال وملبسه حلال وغذي من حلال فهو نقي الكفين لا يمد يده بالبطش بمسلم ولا إيذائه فيده بيضاء نقية من دم المسلمين ومن أموالهم. والصفة الثالثة: (لا يأتي إلي أحد سوءاً) وكلمة أحد يدخل فيها المسلم والكافر والصالح والفاسق، وكلمة سوء يدخل فيها كل ما يسيء سواء الإنسان أو اليد، فإذا رأى الإنسان عيباً في غيره ستره ونصحه سراً وننصحه ولا نفضحه وقد قيل: «لا تعايب على أخيك، فيعافيه الله ويبتليك».
والصفة الرابعة: ألا يمشي العبد بالنميمة، والنميمة من الذنوب التي تحجب القلب عن نور الإيمان وتشغل اللسان عن ذكر الله سبحانه وتعالى فكفانا الله شرها. والصفة الخامسة: الثبات على الإيمان فمن يحبه الله يثبت على الإيمان والتقوى مهما حدث من حوله فيقينه بالله لا يتزعزع وإيمانه لا يهتز مهما ابتلاه الله أو أصبره.
والصفة السادسة: أحبني، وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، ومحبة الله سبحانه وتعالى تكون بطاعته وبحبه وبالرضا بأحكامه حتى وإن رآها العبد بقصر نظره أنها تحتاج إلى جهد منه أو أنها شديدة على نفسه، فمحبة العبد لربه تجعله يحسن الطاعة ويرضى على أحكامه وينفذها عن طيب خاطر وهو مقتنع بها في السر والعلن ومحبة الله تجعلنا على يقين أن الله لم يأمرنا بشيء إلا وفيه الخير لنا ومحبة الله تقتضي محبة عباده المحبين له،
وكذلك تحبيبه سبحانه وتعالى إلى عباده فالله وهو الغني عن العالمين، الا أنه يطلب منا نحن عباده أن نقرب مفهوم محبة الله من القلوب والافهام، وكذلك يأتي الله سبحانه وتعالى بذكر صفات من يحبهم هو سبحانه وتعالى فيقول: من يعين مظلوما أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبته وأعينه حتى في مشهد يوم القيامة العظيم الذي تزول فيه الأقدام إلا عباد الله الصالحين.