عندما يذكر المسلم ربه - عز وجل - بهذين الاسمين العظيمين - يشعر بالطمأنينة تغمر قلبه، وتلمس سائر جوارحه لمساً يريح النفس من عناء الفكر والتدبير، وشدة الحرص في حماية الدين والنفس والنسل والعقل والمال وهي من الضرورات الخمس التي أوجب الله علينا حفظها بعنايته وتوفيقه.
إنه عندما يقول بقلبه ولسانه : يا حفيظ يا مقيت، يجد أسباب الحفظ والغوث قد لاحت له من بعيد ومن قريب، ويجد نفسه أمام هذه الأسباب موفقاً غاية التوفيق لتحصيلها والأخذ بها على وجهها الصحيح، فقد ربط الله المسببات بأسبابها . والدعاء من جملة الأسباب ولكنه لا يغني عن سائرها، فمن دعا ربه فعليه بالسعي في تحقيق ما يرجوه من ربه تبارك وتعالى .
فمعنى الحفيظ : هو الذي أحاط عباده بكمال علمه وعنايته، ولم يفته شيء في ملكه وملكوته، ولم يغفل عن تدبير شيء من أمور خلقه . فما من ذرة في صخرة أو في السماوات أو في الأرض ـ إلا وهو يعلم مكانها ومكوناتها وخصائصها فيقوم بحفظها وصيانتها وفصلها عما يفسدها أو لا يتفق مع جنسها وخاصيتها . فالحفيظ إذن هو البالغ الحفظ، القادر على كل شيء، العالم بكل شيء فهذا الاسم المقدس يوحي بكمال الذات والصفات والأفعال .
وقيل أيضاً : هو الذي حفظ أولياءه من مسالك الضلال بتوفيقه إلى مسالك الخير، وصان خواطرهم عن السياحة في غير ميادين الذكر والفكر، وحماهم في حال المحنة من الشكوى، وفي حال النعمة من البلوى . وقيل : هو الذي حفظ أولياءه عن ملاحظة الأغيار وصان ظاهرهم عن موافقة الفجار . أي صان نظرهم وفكرهم عن ملاحظة غير الله عز وجل فلم يسألوا أحداً سواه، وصان أعمالهم الظاهرة كلها عن الرياء والسمعة ونفاق أهل النفاق.
وخلاصة هذا المعنى أن الله تبارك وتعالى قد صان عباده المقربين بتطهير ظواهرهم وبواطنهم من الشرك الجلي والخفي، فلم يعد لهم سبيل إلا إليه، ولا هوى إلا في طاعته، ولا طلباً إلا في ابتغاء مرضاته. والمقيت : هو الذي يعطي أقوات الخلائق حيث كانوا، فهو بمعنى الرزاق، إلا أن هذا الاسم يوحي بأنه جل شأنه يمنح عباده ما هم في حاجة إليه في الوقت الذي يريد، وهو غني عنهم، ويحفظ عليهم بقدرته أقواتهم من التلف والفساد، بالوسائل الدقيقة التي يعجز الخلق عن معرفتها فضلاً عن تقليدها .