إن ما تناولناه في الحلقات الماضية لا يخرج عن كونه حق المسلم على المسلم، ولكننا وتحت هذا العنوان، وعشية وداعنا الشهر الفضيل، هذا الشهر الذي يظلنا بنكهته المتميزة عن غيره من الشهور بصيامنا الذي فرض علينا فيه تكريماً لنزول القرآن الكريم «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن» وصيامه الغاية منه التقوى «لعلكم تتقون» وتقوى الله وان كانت واجبة في حياة المسلم كلها، ولكن هناك محطات ينبغي فيها تجديد هذه التقوى، تقوية للإيمان فنحن إذ نودع الشهر الفضيل علينا ان نستعرض صوراً من الواجبات والحقوق من المسلم على أخيه المسلم،

وقد أشرنا في مواضع متقدمة من سلسلة هذه المقالات ان الإسلام ينفرد عن غيره بأن جعل الواجبات متوازنة مع الحقوق. ان واجب الفرد والجماعة في الإسلام يتلخص في ان الأمة الإسلامية جسد واحد وبنيان واحد، يتألم الجميع لألم الواحد، وقد تمثل هذا المعنى في الرعيل الأول من السلف الصالح الذين فهموا دينهم الفهم الصحيح بما أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه.

وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» متفق عليه. وبهذه الكلمات الجامعات تتضح الروابط القوية في الإسلام التي ينبغي ألا يكون فيها انفصام بأية حال من الأحوال، فهل هذا الأمر يطبق منا ـ معاشر المسلمين ـ في حياتنا المعاصرة؟ الواقع الذي نعيشه يقول بأعلى صوت: لا، اسأل الجار المسلم في البناية الواحدة، بل المواجه لشقة أخيه المسلم لا يفصل البابان عن بعضهما إلا بضعة أمتار

وربما يلتقيان في المصعد عدة مرات في اليوم الواحد، هل يعرف شيئاً عن جاره هذا؟ سيخفض لك رأسه نفياً، مع ان الإسلام حض على مراعاة حقوق الجار، سواء كان من ذوي القربى أم لم يكن كذلك، وحتى الجار غير المسلم حث على معاملته المعاملة الكريمة لعل ذلك ان يؤثر فيه فيحببه في الإسلام، ومن حقوق الجار على الجار ان يعوده إذا مرض، ويساعده إذا احتاج ويدافع عنه إذا ظلم ولا يذيع أسراره ويفشيها بين الناس فالجار مرآة الجار يعلم عنه ما لا يعلمه الآخرون،

وحتى إذا كان هذا الجار مسيئاً وسيئ الأخلاق، لا يقابله جاره إلا بالإحسان ويشاركه أفراحه وأتراحه، روى ابن ماجه في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو إذا أسأت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت، فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت، فقد أسأت»

ومن ذلك الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مازال جبريل يوصيني بالجار (بمعنى يوصيني بأن آمر أمتي برعاية حقوق الجار) حتى ظننت أنه سيورثه» بمعنى حتى ظننت انه سيجعل للجار نصيباً في ميراث جاره.

ومما يركز عليه الإسلام في حق المسلم على المسلم ان يشمته إذا عطس، كأن يقول له «يرحمكم الله» إذا حمد الله بعد عطاسه، ثم يرد العاطس بقوله: يغفر الله لنا ولكم ولسائر المسلمين، والمقصود من ذلك ان يكون سبيلاً أو مدخلاً إلى التعارف بينهما لأن التعارف والتآخي بين المسلمين من أوجب واجبات الإسلام، فرسول الله صلى الله عليه وسلم من أولى اللبنات التي وضعها في تأسيس الدولة الأولى عقب الهجرة إلى المدينة المنورة بعد بناء مسجده كانت مسألة التآخي بين المهاجرين والأنصار، وسبل التعارف مهدها الإسلام وسهلها عبر العبادات،

فهذه الصلوات الخمس يلتقي فيها المسلمون في مساجدهم بتفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة لتنمو الألفة بينهم، هذا بالنسبة للصلوات يومياً، وهناك لقاء الجمعة الأسبوعي الذي يلتقي فيه المسلمون بصورة أوسع ولا يقتصر فيها اللقاء على أهل الحي ـ كما هو الحال بالنسبة للصلوات الخمس فربما يأتي إلى صلاة الجمعة أناس آخرون من أحياء أخرى، وفي فريضة الحج حيث يأتي الناس من كل فج عميق تتسع رقعة التعارف بصورة أكبر، غير انه ـ للأسف ـ ما عاد الناس يهتمون ـ كما كان سلفهم ـ بالتعارف في مواسم الحج.

والتعارف في الإسلام يبدأ بالتحية، يسلم المسلم على أخيه المسلم بالتحية التي فرضها الإسلام، فيرد عليه بأحسن منها (وبالمناسبة فان الكثيرين ربما يجهلون ان التحية سنة ولكن ردها فرض، فإذا لم يرد المسلم على تحية أخيه المسلم إذا سمعها يكون قد عطل فريضة) وهذا الأمر مؤكد من القرآن الكريم. قال تعالى: «وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، إن الله كان على كل شيء حسيباً» سورة النساء ـ الآية 86

ولاحظ ـ يا رعاك الله ـ الفاصلة في الآية الكريمة «ان الله كان على كل شيء حسيبا» أي ان من لم يرد التحية بمثلها أو بأحسن منها فهو محاسب من الله على تعطيل هذا الفرض، والمقصود بالأحسن منها هو ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نقول: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» أي ان نطلب رحمة الله وبركاته لمن قال لنا: «السلام عليكم» وهذا مما يقرب القلوب إلى بعضها ويؤلف بينها ويزيد العلاقات الأخوية متانة. وهذا السلام ـ الذي أصبح بعضهم في أيامنا هذه يمتعض منه ـ له قواعده وأصوله في الإسلام،

وقد نظمت كثير من الأحاديث النبوية الشريفة آداب السلام في الإسلام من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «يسلم الراكب على الماضي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» وزاد في رواية: «والصغير على الكبير» وقوله: «يجزي عن الجماعة إذا ردوا ان يسلم أحدهم، ويجزي عن الجلوس ان يرد أحدهم» فهل نحن إذا سلمنا نتبع هذه القواعد والآداب المحمدية في التسليم على بعضنا بعضاً؟

والإسلام دين المحبة والاخاء، والمقصود بافشاء السلام بيننا ان تسود هذه المحبة ويتعمق الاخاء بيننا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر اذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» فهل بعد هذا الحديث من مزيد في هذا الخصوص؟

ان الحب والاخاء الذي هو القاعدة الأساس الذي يبنى عليها أو يرفع بناء الإسلام ينبغي ان يكون هو السائد بيننا نحن معشر المسلمين لماذا هذا التمزق وهذا التفرق وهذه القطريات البغيضة؟ نتقاتل والعدو يتربص بنا الدوائر، ننظر إلى جزء من جسمنا ينهش ولا نهب لنجدته، لماذا لا نعتصم بحبل الله وهو كتابنا وسنتنا.. إسلامنا، اختلفنا في أمور كثيرة لا تستوجب الاختلاف، ليتنا نعود فنستمسك بعروتنا الوثقى التي لا انفصام لها ليت ولاءنا يكون لبعضنا وبراءنا يكون من عدونا؟