العلم نقيض الجهل، وهو إدراك الشئ بحقيقته، سواءٌ كان ذلك الشيء خفيًّا، أو جليًّا. والله تعالى هو العليم، الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (الأنعام:59). أما الفِقْهُ فهو العلم بغرض المخاطب من خطابه. يقال: فَقِهْتُ كلامك. أي: وقفْت على غرضك من هذا الخطاب.
وقيل: هو التوصُّل إلى علمٍ غائبٍ بعلمٍ شاهدٍ، فهو أخصُّ من العلم، ولا يستعمل إلا على معنى الكلام؛ ومنه قوله تعالى: فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (النساء:78). لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (الكهف:93). أي: لا يكادون يقفون على المقصود الأصلي والغرض الحقيقي من الحديث، والقول. وقيل: سُمِّيَ علمُ الشَّرْع فِقْهًا؛ لأنه مبنِيٌّ عن معرفة كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
يقال: فَقِهَ الرجلُ فَقاهةً، إذا صار فقيهًا. وفَقِهَ. أي: فهِم فِقْهًا. ويقال: أوتيَ فلانٌ فِقْهًا. أي: أوتيَ فَهْمًا. وفَقَّهَهُ. أي: فهَّمه. ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس قوله:«اللهمَّ فَقِّهْهُ في التأويل». أي: فَهِّمْهُ. وتَفَقَّهَ، إذا طلب فقهًا، فتخصص به، قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة : 122 ).
وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (الأنعام:97). ثم قال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (الأنعام:98)، فختم الآية السابقة، وهي التي استدل فيها بأحوال النجوم بقوله: يَعْلَمُونَ ، وختم الآية الثانية بقوله: يَفْقَهُونَ . والفرق بينهما أن إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفِقْهِ في الثانية، الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقاً له. والله تعالى أعلم.