يلمس المتابع لقضايا الوجود المسلم في أوروبا مدى الأهمية التي أصبحت تعلقها دول القارة على إدماج المسلمين في المجتمع الأوروبي. ففي الدانمارك مثلا تم تخصيص جانب كبير من مشروع تموله مجالس الأبحاث التي تحظى برعاية حكومية للبحث في واقع الإسلام في الدانمرك، ولا شك أن الإهتمام بهذا المشروع قد ازداد بشكل كبير بعد أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. وفي عام 1990 جعلت مؤسسة جامعة ليدن من المسلمين في اوروبا مكونا رئيسيا في مؤتمرها الذي عقد بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيسها.
وفي فرنسا تم تأسيس مجلس إسلامي بمبادرة من الحكومة الفرنسية من أجل تعزيز عملية إدماج المسلمين في المجتمع الفرنسي. أما في ألمانيا فقد عقد في العاصمة الألمانية منذ نحو أسبوعين اجتماع بين مسؤولين ألمان وقادة مسلمين بهدف بدء حوار لمدة عامين بين الطرفين، لبحث أفضل السبل لاندماج مسلمي ألمانيا في المجتمع. هذه كلها مؤشرات على مدى الإهتمام- بدلا من كلمة القلق - الأوروبي بتنامي الوجود الإسلامي على النحو الذي يهدد، من وجهة نظر غربية ، كما أشرنا قبلا، بتغيير ديمغرافية القارة.
ويحظى الموضوع للأسف بالكثير من الإهتمام الأكاديمي والبحثي الغربي فيما أنه على مستوانا العربي الإسلامي لا يشغل الحيز الكافي من الإهتمام باستثناء جهود مبعثرة قد لا تسمن ولا تغني من جوع في مجالها. والقضية الأساسية هنا والتي نعرض لرؤوس موضوعات لها دون الغوص في تفاصيلها في هذه السطور هى: هل يمكن بالعقل تحقيق هدف إدماج المسلمين في المجتمع الغربي..
في ضوء اختلاف الأسس التي يقوم عليها المشروع الإسلامي في الرؤية للعالم والوجود الإنساني مع الأسس التي يقوم عليها المشروع الغربي؟ واذا كان لا بد من الإدماج فكيف يمكن أن يتم ذلك؟ وما هى الآليات المناسبة التي يتحقق بها هذا الهدف؟ وما هى حدود التنازلات الفكرية والعقائدية والمجتمعية التي ينبغي على المسلمين تقديمها من أجل تحقيق هدف الإندماج؟
ومن بين التساؤلات التي تفرض نفسها بإلحاح ما هي صورة الإسلام الذي يلتزمه القطاع العريض من المهاجرين المسلمين.. والتي يمكن أن تقبل بها أوروبا وتقرر على أساسها أن هدف الإدماج قد تحقق؟ وهو السؤال الذي يعبر عنه بشكل عملي الطرح الذي قدمه وزير الداخلية الألماني في مقابلة مؤخرا مع صحيفة ألمانية يومية حين راح يذكرأن الإسلام جزء هام من ألمانيا وأوروبا، إلا أنه يتعين عليه أيضا أن يقبل عادات وقيم أوروبا.؟
فما هى هذه العادات والقيم وما هو مدى تناسبها مع جوهر العادات والقيم الإسلامية؟ وفي حال التعارض هل يقبل الطرفان المهاجرون المسلمون والمجتمع الغربي .. إيجاد منطقة وسط يتلاقيان من خلالها تيسر من تحقق هدف القبول المشترك ؟ وهل مبادئ الأديان، والمقصود الإسلام بشكل خاص في هذه الحالة، من المرونة الذاتية التي تجعل منها عرضة للحلول الوسط؟
هذه اسئلة قد توحي المحاولة الأولية للإجابة عليها أن الإندماج مصيره حتما الى الفشل. وبغض النظر عن ذلك فإن الفشل الأولى لا يمنع من البحث خاصة في ضوء الحقيقة التي يلمسها الغربيون أكثر من المسلمين في الغرب وتتمثل في أن المسلمين أصبحوا جزءا من نسيج المجتمع الغربي ما يعني أن لا مفر من البحث عن آلية سوية لعلاقاتهم مع المجتمع الذي يقيمون فيه.
مصطفى عبد الرازق