(محمد مندي) فنان وخطاط إماراتي معروف. عشق الحرف العربي من الصغر، ومارس كتابته بحب وإخلاص وغيرة كبيرة عليه، ثم درس قواعده وأصوله في مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة وتخرج فيها عام 1977.

يُقر الفنان مندي بالمعطيات التشكيلية الواسعة والكبيرة للخط العربي، وقدراته اللا محدودة على التشكيل والرسم، لكنه يربط هذا الاستخدام بالالتزام بقواعد وأصول الخط العربي التي يعتبرها جوهر جمالياته. ومن هنا يرى أن استخدام بعض الفنانين التشكيليين لنماذج من الخط العربي في أعمالهم، دون الاعتماد على قواعده، ليس له علاقة بالفن.تقوم تجربة الفنان محمد مندي على استخدام الخط العربي بكافة طرزه وأجناسه، في خلق لوحات متنوعة أساسها الخط نفسه، مع بعض الأشكال والزخارف الهندسية والنباتية والتشكيلات الحديثة التي تسعفه بتأكيد المعاني التي أرادها من اللوحة، من جهة، وتالياً يشغل بها سطح اللوحة الواسع ويغنيه تشكيلياً.

يقول الفنان محمد مندي أن الخط الكوفي هو أول الخطوط العربية، وتم تعديل حروفه، وملأت فراغاته بالزخارف الإسلامية، وهو أنواع وأشكال، ويتمنى أن تتحول المدن العربية إلى متحف، وأن تتزين مساجدها ومبانيها ومرافقها كافة، بالخطوط العربية الجميلة. ويؤكد الفنان مندي أنه ليس بالضرورة كل خطاط فناناً تشكيلياً، ولكن من لديه موهبة التشكيل والتذوق والاستعداد الخاص، هو وحده الذي يستطيع أن يكون فناناً تشكيلياً. المتابع لتجربة الفنان محمد مندي يرى أنها تعيش حالة دائمة من البحث والتجريب، رغم محافظتها على القواعد والأسس والنظم التي نهض عليها الخط العربي، وكانت خير حافظ له، عبر مراحل تطوره المختلفة، والخط العربي في حقيقة الأمر، ليس مجرد أداة تواصل لغوية على المستوى البصري، بل يحمل إمكانات بصرية وجمالية عالية، كما له أبعاده الدلالية، فهو حرف نوراني روحاني قابل للتشكيل الفني بالدوائر والتنقيط، بالأفقي والعمودي، وهذا ما حاول القيام به الفنان مندي عبر تجاربه المختلفة.

في البداية أخذ الفنان مندي الخط بروحيته الكلاسيكية، ثم أنزل عليه إيقاعات لونية هندسية محولاً إياه إلى لغة بصريّة إعلانية فيها خصيصة من الفسيفساء والعمارة الإسلامية. وقد كانت لوحته في هذه المرحلة، مشغولة السطح بكامله، بالخطوط والعناصر الزخرفيّة الهندسية والنباتية، ثم انتقل إلى نوع من التوزيع المتكافئ بين كتلة الخط والزخرفة، وبين الفراغ الذي تركه أبيض في البداية، ثم شغله باللون المتدرج الشفيف. ونتيجة هاجس الفنان التشكيلي الساكن فيه، جرب الفنان مندي الرسم بالكلمات، حيث استخدم عبارات ونصوصاً معينة للإيحاء بأشكال تشخيصيّة كالأدوات والوجوه، وهذه طريقة لجأ إليها العديد من الخطاطين العرب والمسلمين، فرسموا بكلمة عصفور عصفوراً، وبكلمة أم أماً .. وهكذا. بعد ذلك انتقل الفنان محمد مندي للتنويع بحجم الحروف، فكبّر وصغّر وغيّر في وضعيات الحروف الأفقية والشاقولية، ثم طعمها ببعض الزخارف والأشكال الهندسية التي رآها ضرورية، لإقامة تكوين متماسك وحاضر في اللوحة. كما بسّط في بعض الأعمال، محولاً الخط إلى كتلة هندسية، أقام بتنوعها الحجمي، عمارة اللوحة، بعد أن واكبها بتنوع لوني مماثل.

في أعماله الأخيرة، حقق الفنان مندي إضافة لافتة. فإلى جانب استمراره بتكبير وتصغير الحروف والكلمات، وتوشيتها بنصوص من تحتها وفوقها، وتنويع ألوانها، لجأ إلى إشغال سطح اللوحة، بتدرجات لونية شفيفة، تتوضع ضمن أخاديد، تتبعثر كضوء الشمس حول الكلمة والنصوص، أو تتمايل كلهب الشمعة، في خط مستقيم. وقد يزرع فراغ اللوحة بالأزاهير والورود، وفقاً للمعنى الذي توحي به الكلمة والنصوص المزروعة في جسد اللوحة. هذه النزعة التجريبيّة الجلية في تجارب الفنان محمد مندي، إشارة مؤكدة إلى أن شخصية الفنان التشكيلي تسكنه، كما تسكنه شخصية الخطاط الموهوب، لهذا يحاول في أعماله كافة، التوفيق بين هاتين الشخصيتين.

د. محمود شاهين