توقف الكثير من الباحثين والدارسين والمتابعين لأسرار العمارة الإسلامية في سياقها المسجدي عند حقيقة جديرة بالانتباه، ومحاولة الفهم والتعمق والخروج بالدروس المستفادة منها. هذه الحقيقة تتمثل في أن قدراً ليس باليسير من مشروعات المساجد، في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي، ظلت كذلك فحسب، أي بقيت مشروعات، تمتد كأنها نهر من ورق على مناضد الرسم الهندسي، من دون أن يقدر لها أن تتجاوز هذه المرحلة قط، على الرغم من أنها أحرزت شهرة مدوية، طبقت الآفاق.
دعني أضرب أمثلة محددة في هذا الصدد. والمثال الأكثر شهرة، بالطبع، هو المشروع الذي قدمه المعماري العربي البارز راسم بدران، والذي اعتبر الفائز في مسابقة مسجد الدولة في العراق، حيث يستمد إلهامه من المساجد الجامعة التاريخية في الكوفة وسامراء والقيروان والقاهرة. والذي لا تملك حيال رسوماته وتفاصيله المدهشة إلا أن تحدث نفسك دامعاً: قدر الله وما شاء فعل. فلست أحسب أن هذا المشروع سيطل تحت آفاق دنيا الناس الفانين في حياتي.
الأمر نفسه ينطبق على مشروع مسجد الأمة في طرابلس الغرب، الذي أعده المعماري راميش خصلة من شركة «أكروب» المعمارية الكندية، والذي يستمد إلهامه من التقاليد المعمارية العثمانية ومن مساجد المرابطين التاريخية، التي ترصع الآفاق في ليبيا. والمرء لا يجد على لسانه حيال رسوماته التي علاها غبار النسيان إلا القول: لا غالب إلا الله. هناك أيضاً مشروع مسجد عثمان بن عفان في قطر، الذي أعد ليكون جزءاً من حي جرى تطويره في السبعينات. وقد تقدم به للمسابقة المعماري عبدالحليم إبراهيم، ولفت إليه الأنظار بقوة، من خلال استكشافه الفريد للإمكانيات الإنشائية والجمالية للمقرنصات، إلى حد تحويله المئذنة والقبة إلى تعبير بمفردات مختلفة عن المقرنص.
وهذه الظاهرة لا تنطبق على المساجد الكبرى وحدها، وإنما تمتد إلى المساجد الصغيرة، وهنا تتوقف طويلاً عند مشروع مسجد جامعة أبي علي بن سيناء في همدان بإيران، الذي تصل طاقته الاستيعابية إلى 250 مصلياً، وأعده المعماري نادر أردلان، يقوم بكامله على المزج بين الاستلهامات الصوفية وهندسة الموقع، من خلال الاشتغال الفريد على شكل المقرنص، مع الحرص على دمج الانشائي والجمالي، حتى لتبدو كتلة المسجد المربعة كياناً من المقرنصات المتداخلة.
هذا المسجد الأخير يظل في ذهن المرء، وهو يمضي ليتأمل العديد من مساجد الإمارات، التي يمضي بعضها ليس إلى حد هذا الاستلهام الحداثي للأفكار المعمارية، التي يجمع معماريو العالم على تقديرها والإشادة بها، وإنما إلى حد القيام بإعادة استحضار موفقة إلى حد كبير للتقاليد المعمارية، قائمة على قراءة مختلفة في هذه الاستمرارية الممتدة للعمارة الإسلامية. المرء لا يملك، في هذا الصدد إلا التوقف عند مسجد عبدالرحيم محمد العلي في رأس الخيمة، حيث نجد أنفسنا أمام جهد لا مجال إلا للتسليم بأهميته في قراءة التقاليد البصرية وإعادة تقديمها بصورة مميزة.
لاحظ أن موضوعة المقرنص بالتحديد يتم التعامل معها هنا بشكل مختلف، سواء في داخل المسجد أو خارجه، وقد لا تتحمس لهذا التعامل أو قد تراه موفقاً، ولكنه في كل الأحوال يظل هناك اجتهاداً في التعامل مع الأصل التاريخي، وليس استنساخاً له. يلفت نظرنا هنا اجتهاد مناظر في التعامل الجمالي مع وجهية المسجد، ومع المآذن والقبة، بحيث أنك في النهاية للداخل خارج المسجد ينكفئ على نفسه محتفظاً بالجماليات لداخل وحده.
في بيت الصلاة تجد نفسك أمام مشروع زخرفي بالغ الطموح، ويصل هذا الطموح إلى قمته في المحراب، الذي يعكس براعة حقيقية في الوصول إلى القياس الإنساني، وينحت للمنبر كتلة شديدة البهاء من الأعمدة، التي تؤطر المنبر الخشبي الذي يجمع بين تقاليد أبناء المنطقة في جعل المنبر بسيطاً وبين التوظيف البارع لجماليات الخشب.
كامل يوسف



