الإعلام هو السلاح الأول لنشر التحضر والقيم الحضارية في المجتمعات وهو الوسيلة الأكثر تأثيرا في نشر الوعي ومحاربة الجهل والأمية والتخلف وإذا أراد العالم الإسلامي أن يتقدم وينهض فلابد من استغلال وسائل الإعلام وتوجيهها بطريقة تخدم هذا الهدف وإذا كانت وسائل الإعلام الغربية قامت ومازالت تقوم بمحاولات الاختراق الثقافي والهيمنة الفكرية على المسلمين فان امتلاكنا لوسائل إعلامية قوية يصبح أمرا حتميا لمواجهة هذا الاختراق وتلك الهيمنة كما إن وسائل الإعلام تستطيع إعادة صياغة العقل المسلم وانتشاله من التخلف والجمود إلى آفاق العلوم والمعارف المتقدمة في مختلف المجالات.

في هذا الحوار نلتقي الدكتور محيي الدين عبد الحليم أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر والمستشار الإعلامي لوزير الأوقاف المصري لنناقش الدور الذي ينبغي أن تسهم به وسائل الإعلام في تحقيق التقدم في العالم الإسلامي بجانب تقييم الدور الذي يقوم به الإعلام في الوقت الحاضر وهل أسهم في تكريس التخلف والتبعية والغزو الفكري أم كان على العكس من ذلك.

* كيف تستطيع الدول الإسلامية مواجهة هيمنة الدول الكبرى على وسائل الإعلام؟ ـ هيمنة الدول الكبرى على وسائل الإعلام تأتي في إطار محاولاتها الرامية للهيمنة على المجتمعات الأخرى من خلال السيطرة على وكالات الأنباء الدولية والأقمار الصناعية وقنوات البث المباشر

وهذا يهدد بغزو ثقافي واختراق فكري لعالمنا الإسلامي الذي يتلقى أكثر مما يرسل وهذا يتطلب إعادة النظر في خططنا الإعلامية حتى نستطيع التعامل معاملة الند مع القوى الإعلامية المسيطرة في عالم لم يعد فيه مكان للضعفاء والعجزة وهذا أيضا يحتم على الدول الإسلامية التنسيق فيما بينها لوضع استراتيجية واحدة وسياسات مشتركة لمواجهة التكتلات الدولية المعاصرة في حقل الإعلام ولمواجهة المتغيرات العصرية التي تفرض نفسها على الساحة الدولية

وإذا كنا ندفع المليارات لشراء الأسلحة وتدريب الجيوش فإن إعداد الخطط الإعلامية وتدريب الكوادر واستخدام الأساليب الحديثة سوف تساعدنا على المواجهة لأننا إذا كنا نعيش عصر العلوم والمعارف والأفكار فإننا نعيش في نفس الوقت عصر الأكاذيب والمبالغات بالصوت والصورة لتغليب رأي على آخر وفكر على فكر وما لم نتسلح لمواجهة الآلة الإعلامية الدولية الجبارة فسوف نهزم حضاريا وثقافيا ولن نجد مكانا مناسبا لنا تحت الشمس.

تخوف بدون مبرر

* هناك من يتخوف من تأثير وسائل الإعلام الغربية على الهوية الإسلامية وعلى العقيدة والفكر والثقافة الإسلامية فهل بعد انتشار الفضائيات وشبكة الانترنت لا يزال هذا التخوف قائما؟ ـ رغم أن الإعلام احتل مكانه في كل العصور إلا أن الواقع الجديد على الساحة الدولية قد فرض نظاما جديدا ومختلفا فالسموات أصبحت مفتوحة للجميع وقنوات البث المباشر تنتشر بطريقة متسارعة مما جعل حجم العالم يتقلص تحت في ظل وجود وسائل الاتصال الحديثة التي تمتلك قدرات جبارة حولت هذا العالم إلى قرية الكترونية صغيرة

فقد مكنت ثورة الاتصال الرسالة الإعلامية من الوصول إلى ملايين الناس في اللحظة الواحدة وأصبحت قادرة على التوجه إلى المتلقي حيث يكون وغدت الدنيا كلها في متناول بصره وسمعه مما جعل هذه الوسائل تترك آثارا بارزة على البيئة الاجتماعية والاقتصادية لمختلف الأمم والشعوب وأجهزة الاتصال الحديثة تلقي بظلالها على الإنسان المعاصر إيجابا أو سلبا

حتى أنه يصعب عليه أن يفلت من إسارها فهي تحيط به وتحاصره ليلا ونهارا تزوده بالأفكار والمعلومات والأنباء وتحقق له التسلية والمتعة ولو لم يسع الناس إلى وسائل الإعلام فإن هذه الوسائل سوف تسعى إليهم لتقدم لهم ما يدور حولهم من أحداث وما أفرزته الأدمغة البشرية من اكتشافات ومعارف فإنسان اليوم يعيش أسيرا لهذه الوسائل تحاصره في كل وقت وفي كل زمان فلا يستطيع الفكاك منها أو الحياة بدونها ولا تترك له فرصة للتفكير والتأمل.

وبجانب ذلك كله أصبح الإعلام صناعة ضخمة يمكن الدول المتقدمة من أن تحتل مواقع القيادة والريادة في العالم بسبب سيطرتها على وكالات الأنباء الدولية الكبرى والصحف العالمية الواسعة الانتشار والقنوات الفضائية وهذه الأوضاع كانت تمثل مصدرا للخوف فانطلق البعض يحذرون الحكومات والأفراد في العالم الإسلامي من هذا الخطر الكبير الذي جاء يكتسح البيوت ويهدم القيم وينشر الرذيلة ويقضي على الفضيلة ويفتك بالأجيال الجديدة ويسحق الهوية ويقضي على الثقافة الإسلامية ولغة القرآن الكريم

لكن موجة الزحف الإعلامي الجارف تنتشر بصورة واسعة ويقبل الناس على استقبال معطياتها غير عابئين بصيحات الفزع التي أطلقها الخائفون وأصبح هذا الواقع حقيقة من حقائق الحياة المعاصرة التي لا تثير دهشة ولا تسبب خوفا وصارت المحطات الفضائية في متناول الناس وتغزو الأرياف والبوادي وسكتت تلك الأصوات بعد أن أدركت أن تحذيرها كان وهما وأن المهالك التي صورتها لم تكن بالصورة المخيفة التي رسمتها عقدة الخوف من كل جديد فقد أسهمت هذه الأوضاع في تقديم المزيد من المعارف والمعلومات والثقافات والرؤى كما قدمت الترويح والترفيه وفتحت آفاقا واسعة لتقوية المدارك وتربية العقول وتعليم البشر وتعزيز فرص التعارف والتفاهم بين الناس.

سلبيات الانفتاح

* رغم أن العالم الإسلامي بدأ إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا منذ بداية القرن التاسع عشر إلا انه فشل في تحقيق التقدم حتى الآن فما أسباب ذلك؟ ـ العالم الإسلامي بدأ رحلة التقدم والتحضر بعد أن احتك بالعالم الخارجي وبعد أن راحت البعثات التعليمية إلى فرنسا وغيرها من دول الغرب لترى وتتعلم وتنقل لنا المعطيات العصرية في العلوم والتكنولوجيا وفي الفكر والثقافة والأدب وفي الحرية والديمقراطية فتم إنشاء مدارس لترجمة هذه العلوم والفنون

وهي المدارس التي تحولت بعد ذلك إلى جامعات ومعاهد علمية تقدم العلوم والمعارف وتربي الكوادر التي ثارت ضد الظلم والفساد كما ثارت ضد الاستعمار والاستبداد فتغيرت أنماط الحياة في كثير من الدول الإسلامية وتم تأسيس أنظمة للحكم تحاول أن تأخذ بالنهج الديمقراطي ولولا هذا الاحتكاك وهذا الانفتاح لظل هذا العالم راكدا جامدا يتجرع المآسي والجراح ويعاني من ظلم المستبدين وابتزاز المنتفعين.

والمشكلة أننا لم نستطع أن نستفيد بصورة كاملة من هذا الانفتاح على الغرب أو الشرق بل على العكس كنا في أحيان كثيرة نأخذ منه السلبيات ونترك الإيجابيات التي كان يمكن أن تسهم في تحديث الحياة وفي بناء الإنسان وتنمية المجتمع فركزنا على المظهر دون المخبر وعلى الشكل دون المضمون بعد ذلك بدأنا نشكو من منهج التقليد الأعمى الذي ينهجه الشباب والفتيات بل والنخب الفكرية فانبهر بعض هؤلاء الذين أوفدناهم للتعلم في الخارج

وراحوا يقلدون النمط الغربي في كل شيء وعادوا ساخطين على أنماط الحياة في الأوطان التي أنفقت الكثير على تعليمهم أملا في عودتهم ليسهموا في بناء مجتمعاتهم ووصل بهم التجاوز إلى حد الهجوم على العقيدة معتبرين أنها السبب الرئيسي في تخلف المجتمعات الإسلامية وعلى اللغة القومية على اعتبار أنها ليست لغة علمية وطالبوا باعتماد اللغة الأجنبية كلغة رئيسية في التعليم والثقافة وهي لغة العلم ولغة الحضارة التي رأوها وعايشوها.

* ما الذي يمكن ان يستفيده العالم الإسلامي من التقدم الكبير في مجال الإعلام على المستوى العالمي؟ ـ نستطيع أن نستفيد من الواقع العالمي الجديد بصورة أفضل إذا خلصت النوايا وأعددنا العدة ووضعنا الخطط وسرنا وفق الأصول والمناهج العلمية فالمعطيات الإعلامية الجديدة في عصر العولمة لها إيجابيات كثيرة اقتصادية وسياسية وثقافية فهي تفتح باب التنافس العالمي على أوسع نطاق كما تفتح آفاقا واسعة لإحداث تغييرات جذرية في النظم السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي

لأن التنافس العالمي سوف يؤدي حتما إلى جودة الإنتاج وتصارع الأفكار وترسيخ للمبادرة الفردية وتحسين لأنماط العمل والحياة أيضا المعطيات الإعلامية الجديدة سوف تؤدي إلى حصار للنظم الدكتاتورية لأن هذه النظم لن تستطيع أن تخفي رأسها في الرمال أو تختفي وراء حدود سياسية أو معالم طبيعية لأن الشعوب تشهد عن كثب كل ما يدور على الساحة الدولية وتقارن بين الواقع الذي تعيش فيه وبين ما يعيشه العالم المتقدم.

* هل معنى ذلك أن النظام الإعلامي الجديد يحمل بعض الايجابيات بالنسبة للعالم الإسلامي؟ـ النظام الإعلامي الجديد يحمل من الإيجابيات أكثر مما يحمله من السلبيات إذا أحسنا التعامل معه واستطعنا أن نضع الخطط العلمية ونمسك بزمام المبادرة فسوف يعطينا هذا النظام الفرصة لنقدم ما لدينا من حجج عقلية وأدلة منطقية

كما أنه سوف يحرك المياه الراكدة في الدول المتخلفة ويفتح أذهان الشعوب لأنماط جديدة من الحياة في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي فما لم تحتك هذه الدول بالعالم المتقدم وترى ما يدور فيه من معطيات حضارية واستكشافات علمية ومعارف جديدة فسوف تظل على هذا الحال من الجمود والتحجر وسوف تتجمد العقول وتتسع الهوة بين العالم الأول والعالم الثالث ويزداد المتقدم تقدما والمتخلف تخلفا.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: