الموازنة العادلة بين مطالب الإنسان ومطالب الحياة قضية تشغل بال المسلم في كل زمان ومكان، ليهنأ بالعيش وفق شريعة الحق المبين، ومما يساعد على تحقيق هذه الموازنة الاهتمام بعملية إعداد الانسان وبنائه روحيًا في ظل منهج الإسلام، لهذا كان اختيار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بإصدار كتاب «الإسلام والبناء الروحي للإنسان» ضمن سلسلة «قضايا إسلامية» التي تصدر غرة كل شهر عربي للمؤلف عبد التواب إبراهيم رضوان، الذي يوضح في كتابه هذا معالم الطريق لبناء الإنسان في سياق منطقي وعقلي.

ويؤكد المؤلف في بداية كتابه أن الحديث عن موضوع الإسلام والبناء الروحي للإنسان يقتضي التأكيد على أن الإسلام رسالة ومنهاج حياة، لأن الرسالة من منظور إسلامي تعني العطاء الإلهي المتجدد الذي يوفر للأمة قيمتها الروحية والأخلاقية والإنسانية، فالقيم هي المنارات التي توضح للأمة معالم طريقها واستقامة حياتها،

ومن يتأمل حقيقة الإسلام وجوهره يستطيع أن يقرر بكل الصدق والموضوعية أن الإسلام هو الدين الذي شرعه الله لعباده، أما كونه أسلوب عمل وعطاء فلأن تعاليمه بما تتضمنه من تشريعات ونظم تسير عليها الحياة الإنسانية تعتبر في حقيقتها الضوابط والأسس التي تشكل البشرية في إطارها أسس حياتها جيلاً بعد جيل حسبما تمليه عليها حركة الحياة وتجددها وتطورها. والإسلام أسلوب فكر وتأمل فتعاليمه تدعو إلى التأمل والتفكر في آيات الكون، وفي النفس الإنسانية، بحيث يصل الإنسان من خلال تفكره وتأمله إلى دلائل الإعجاز الإلهي في مظاهر خلقها معا فيقر من أعماقه بعظمة الخالق، وينطق لسانه بالقول الخالد «تبارك الله أحسن الخالقين».

الأخلاق الحميدة

ويذكر المؤلف أن رسول الله قد حدد الغاية الأولى من بعثته، والمنهاج المبين لدعوته بقوله الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وبهذه الغاية صارت الدعوة إلى الإسلام سبيلاً إلى الانتقال بالبشرية خطوات رحبة إلى حياة مشرقة بالفضائل والآداب، ولتحقيق غاية مكارم الأخلاق، كانت مشروعية العبادات في الإسلام، ثم الأمر بتكرار ممارستها حتى تعين الإنسان على الالتزام بالأخلاق القويمة، ومداومته على التمسك بها مهما تعددت الدروب واختلفت الظروف وتباينت في مظهرها وجوهرها، لأنها تلتقي عند الغاية التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعثه.

ويري المؤلف أن الإسلام في أصله العام يعتمد على تهذيب النفس البشرية قبل كل شيء، حيث يكرس جهدًا كبيرًا للتغلغل في أعماقها لغرس تعاليمه فيها حتى تصبح جزءًا من مكوناتها، وتعتبر الأديان السماوية جميعها أن النفس الصالحة هي الغاية المنشودة لكل إصلاح ديني وترى أن الخلق القويم هو ضمانة الاستقرار لكل مظاهر الحياة الإنسانية.

وفي الفصل الثاني تناول المؤلف الطبيعة الإنسانية فيؤكد أن هذا الكون الواسع يتضمن الأرجاء العديدة من الآيات الكونية الدالة على عظمة الخالق وقدرته، السماوات والأرض، الشمس والقمر والنجوم، الأرض المنبسطة، الجبال الراسيات،المحيطات العظيمة الاتساع، الأنهار الضيقة المجري، آيات عظيمة تمثل لوحة كونية توحي بعظمة التقدير والقدرة الفائقة على الخلق والإيجاد، قال تعالى عن نفسه: «خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار».

وغاية هذا الخلق ودلالته أن يتجدد سعي المؤمن في هذا الكون في ثقته بالله واطمئنانه إليه وإلى قدرته وعظمته وأن يبذل ما بوسعه لأن يكتشف سننه وقوانينه بروح الواثق في عظيم نعم الله وآلائه، وكلما هدي إلى اكتشاف آية من آياته الكونية جعلها إلى الخير. ويرى المؤلف أن الإنسان هو محور المنهج الإلهي، ولذلك يصبح من الضروري أن يتعرف على الطبيعة الإنسانية وخصائصها التي تميز الإنسان وطبيعته الإنسانية عن سائر المخلوقات في الجسد، وهو تكوين مادي إلهي والروح وهي نفخة من نفخات الخالق - جلت قدرته - وسر من أسراره،

والعقل وهو أداة تستقيم بها أموره وتقوده إلى الوجهة التي هو موليها باختياره وإرادته، أما القلب فهو مضغة أودعها الله سبحانه وتعالي جسد الإنسان، وجعلها مصدر عواطفه الإنسانية ومنبع أحاسيسه الوجدانية، أما آخر خصائص الطبيعة الإنسانية.. فهي النفس الإنسانية وهي التعبير عن حقيقة الذات الإنسانية وعن الوجود الإنساني من هنا ينطبق عليها قانون السماء «قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها».

الإنسان والمخلوقات

ويذكر المؤلف أن بناء الإنسان المسلم يعتبر بناء متكاملاً جسديًا وروحيًا وفكريًا ونفسيًا وأخلاقيًا من أولى اهتمامات منهج الإسلام بل يعد مركز هذا الاهتمام وبؤرته، ويرجع هذا الاهتمام إلى علو الإنسان بين سائر المخلوقات، ولعظم دوره المستخلف فيه من الله لبناء العمران المادي والمعنوي لمجتمعه، ويتطلب هذا البناء مراعاة خصائص الإنسان وقدراته وإمكاناته الجسدية والنفسية والفعلية فلم يكلف الله نفسًا إلا وسعها،

كذلك مراعاة القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية المستمدة من منهج الإسلام وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ويشير المؤلف إلى بعض الجوانب المختلفة في ملامح البناء الروحي والعقلي للإنسان، فيقول: إن حياة الإنسان بلا شك هي رأسماله، وأغلى ما يملكه، ومن هنا تتضح قيمة الحياة، ولكي يحقق الإنسان ذاته في هذه الحياة يجب عليه أن يحدد هدفه وغايته بطريقة واضحة حتى يتمكن من توجيه جهده وسعيه نحو بلوغ هذا الهدف، أما البناء الفكري للإنسان فيعني في جوهره تنمية العقل البشري ورعايته، وتحريره من كل ما يعوق حركته وانطلاقته، ثم دعوته إلى التأمل في صنع مخلوقاته.

ويضيف الكتاب بأن منهج الإسلام في دعوته إلى تحرير العقل من كل صور الوهم والخرافة ودعوته إلى التأمل والتفكير لكي يستبين سبل الهدي والإرشاد بمثابة مقدمات ضرورية تتيح للعقل أن يندفع بكل ملكاته إلى طلب العلم والتزود به، فالعلم الذي يقره منهج الإسلام هو العلم الذي يوسع آفاق الفكر ويزيل المعوقات أمام التفكير العقلي ويوثق صلة الإنسان بالوجود ويفتح له مجالات أوسع أمام الكشف والإدراك ويتيح له السيادة على الكون والتحكم في قوى الطبيعة والاستفادة من ذخائرها، ولكي يطمئن الإنسان على أجله وحياته..

ويطمئن على رزقه.. فإن عليه أن يتجاوز الأسباب المادية.. لأن الذي يملك الموت والحياة هو الله. ويرى المؤلف أن الإنسان السوي من الناحية النفسية هو الذي يدرك أن وجوده ككائن اجتماعي يتطلب منه الاعتراف بحاجته إلى باقي أفراد مجتمعه، وإلى تعاونه معهم واضطلاعه بدور اجتماعي من أجل حياة أفضل له ولمجتمعه عملاً بقوله سبحانه وتعالى: «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»

.فالإنسان من وجهة النظر النفسية يعتبر على درجة معينة من الصحة النفسية إذا استطاع أن يتسامى عند إشباع غرائزه أو يعلي من هذا الإشباع، ومما يعين الإنسان على عملية التسامي هذه «عامل الإيمان» حيث يساعد الإنسان على إشباع غرائزه وفق القيم الدينية والأخلاقية والعادات والأنماط الثقافية السائدة في مجتمعه

ويشير المؤلف إلى التكافل الاجتماعي يعني إحساس كل فرد من المجتمع بأن عليه واجبات تجاه غيره من أفراد مجتمعه ينبغي عليه أداؤها كما أنه يتطلب مراعاة حقوق الآخرين مراعاة تامة دون الاعتداء عليها، ولعل أصدق ما يعبر عن حقيقة التكافل قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».

والقلوب العامرة بالإيمان النابضة بصدق اليقين تعتبر من أهم الدعائم التي يقوم عليها التكافل الاجتماعي، لأن الرباط الذي يربط بين القلوب المؤمنة لا يعدل في قوته رباطاً آخر ألا وهو رباط العقيدة والإيمان، ومن ثم فإن ما يترتب عليه من صور التراحم والتساند والتكافل يكون على درجة كبيرة من القناعة والثبات والاستقرار. وفي خاتمة الكتاب يخلص المؤلف إلى أن البناء الروحي والعقلي للإنسان في ظل منهج الإسلام يعتبر عملية مستمرة ومتجددة باعتبار أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة للبشرية كافة في كل زمان ومكان رحمة من الله للعالمين.

القاهرة ـ أيمن رفعت :