قام تجمع من الشخصيات البارزة في العالمين الإسلامي والعربي ضم سبعة وثلاثين من علماء ودعاة الدين والفكر، بتوجيه رسالة مفتوحة إلى قداسة بابا الفاتيكان بندكت السادس عشر، أكد فيها على أهمية التسامح والاحترام المتبادلين ما بين المسلمين والمسيحيين، ونوه إلى بعض الأخطاء التي وردت في إطار الطريقة التي أشار البابا إلى دين الإسلام، وأعرب عن تقديره لتعبير البابا عن الاحترام الكامل والعميق لجميع المسلمين أمام مجموعة مجتمعة من سفراء دول إسلامية في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر الماضي.
وجاء في نص الرسالة، التي تأتي بعد نحو شهر على المحاضرة التي ألقاها البابا بندكت السادس عشر في جامعة رجنسبورغ في ألمانيا بتاريخ 12 سبتمبر 2006، والتي أثارت ضجة كبيرة لإساءتها إلى دين الإسلام: (يقدر المسلمون تعبيركم الشخصي غير المسبوق عن الأسف وإيضاحكم وتأكيدكم في (17/9/2006) بأن الاقتباس الذي استعملتموه لا يعكس رأيكم الشخصي، بالإضافة إلى تأكيد أمين سر حاضرة الفاتيكان الكاردينال تارشيزيو بيرتوني في (16/9/2006) على ما جاء في الوثيقة الصادرة عن مجلس الفاتيكان نوسترا إيتاته.
وقال تجمع العلماء والمفكرين في رسالته (انه من الملائم ضمن سياق روح النقاش المفتوح وفيما يتصل بمحاضرتكم في جامعة رجنسبورغ، أن نتناول استخدامكم لمناظرة جرت بين الإمبراطور مانويل الثاني باليولوجوس ورجل فارسي مثقف كنقطة بداية لخطابكم حول العلاقة بين العقل والإيمان. ففي الوقت الذي نثمن جهودكم التي بذلتموها في معارضة هيمنة الفلسفة الوضعية والمادية في حياة الإنسان، لابد لنا أن ننوه إلى بعض الأخطاء التي وردت في إطار الطريقة التي أشرتم فيها إلى الإسلام على انه الجهة المقابلة للاستعمال المناسب للعقل، بالإضافة إلى بعض الأخطاء التي وردت في التأكيدات التي سقتموها لدعم حجتكم.
وأضاف: لقد ذكرتم بأنه (وفقا لما يقرره أهل الدراية) فإن الآية القرآنية التي مطلعها (لا إكراه في الدين) البقرة 2:256 كانت في بداية أمر النبي عندما (كان ضعيفا وتحت التهديد)، وهذا غير صحيح. والصحيح الثابت أن هذه الآية تعود إلى الوقت الذي كان فيه التنزيل القرآني متوافقا ومنسجما مع واقع السيطرة السياسية والعسكرية للأمة الإسلامية الفتية. لم تكن أية (لا إكراه في الدين) أمرا للمسلمين بإلقاء ثابتين راسخين أمام رغبة الذين ظلموا وعذلوهم لإرغامهم على التخلي عن دينهم وإيمانهم، ولكنها جاءت تذكيرا للمسلمين أنفسهم عندما تحققت لهم أسباب القوة والمنعة انه ليس باستطاعتهم أن يرغموا قلوب غيرهم ويحملوها على الإيمان.
وفي إطار التوضيح تؤكد رسالة العلماء والمفكرين أن (الحرب المقدسة) مصطلح ليس له وجود في المفردات الإسلامية، بينما يوجد الجهاد، ولا بد من التأكيد هنا، انه يعني المجاهدين والمناضلة، وخصوصا الجهاد في سبيل الله، مشيرة إلى أن هذا الجهاد يمكن أن يأخذ أشكالا كثيرة، بما في ذلك استخدام القوة. وبالرغم من أن الجهاد يمكن أن يكون مقدسا إذا كان في سبيل غاية سامية مباركة، إلا انه ليس بالضرورة أن يكون (حربا).
وهنا تورد الرسالة تلخيصا للقواعد الإسلامية الأصلية المعتمدة الخاصة بالحرب، يشتمل على المبادئ التالية: 1. غير المقاتلين ليسوا أهدافا جائزة أو شرعية. ولقد تم التأكيد على هذا مرارا وبشكل واضح من قبل النبي وأصحابه ومن قبل أهل العلم منذ ذلك الحين. 2. الاعتقاد الديني لوحده لا يجعل أي إنسان هدفا للنيل منه. فالمجتمع الإسلامي الأول كان أفراده يقاتلون وثنيين قاموا بطردهم من ديارهم وظلمهم وتعذيبهم وسفك دمائهم. وبعد ذلك كانت الفتوحات الإسلامية ذات طبيعة سياسية. 3. المسلمون يمكنهم أن يعيشوا بسلام مع جيرانهم وينبغي عليهم ذلك. ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) الأنفال،8:61. ومع ذلك، فهذا لا يمنع حقهم الشرعي في الدفاع عن أنفسهم والحفاظ على سيادتهم واستقلالهم.
وجاء في متن الرسالة في هذا السياق أيضا، انه لابد من بيان أن جريمة القتل التي وقعت بتاريخ 17/9/2006 وراح ضحيتها راهبة كاثوليكية بريئة- وأية أعمال عنف فردية مخزية وشائنة مماثلة أخرى كردة فعل على المحاضرة في جامعة رجنسبورغ، هي لا تمت بصلة إلى الإسلام أبدا، ونحن ننكر مثل هذه الأفعال تماما.
وعن الاعتقاد الخاطئ بان اعتناق الدين هو بالإكراه، تتوجه رسالة تجمع العلماء والمفكرين إلى بابا الفاتيكان بالقول بان المسلمين لو رغبوا بإكراه الناس جميعهم حتى يعتنقوا دينهم، لما بقي هناك كنيسة واحدة أو معبد يهودي في أي مكان من العالم الإسلامي ، معتبرة أن الفكرة التي مفادها أن المسلمين مأمورون بنشر دينهم بالسيف وان الإسلام في الواقع انتشر بشكل هائل لا يعضدها التدقيق وإمعان النظر. فحقيقة الأمر أن الإسلام من حيث كونه سياسيا انتشر بشكل جزئي نتيجة للفتوحات، لكن الجزء الأكبر من توسعه قد تحقق نتيجة للنشاط الدعوي.
والتعاليم الإسلامية لم تنص على أن سكان البلاد المفتوحة يتعين إرغامهم أو إكراههم حتى ولوا إلى الإسلام. وفي الواقع، إن كثيرا من المناطق الأولى إلتي فتحها المسلمون بقيت اغلب أجزائها غير مسلمة لقرون من الزمان. وذكرت بان الأمر الإلهي الذي تتضمنه أيه (لا إكراه في الدين)÷ تعني الآن ما عنته في ذلك الوقت. وانه لم يكن مجرد كون الشخص غير مسلم مبررا شرعيا للحرب قط لا في الشريعة ولا في العقيدة الإسلامية.
وعن تعبير (الشيء الجديد) الذي أتى به النبي والذي ذكره الإمبراطور وأيده البابا تقول الرسالة: لقد ذكرتم تأكيد الإمبراطور بان (أي شيء جديد) جاء به النبي كان (شريرا ولا إنسانيا، مثل أمره المزعوم بنشر الدين الذي يدعو إليه بالسيف). هذا وان الأمر الذي فشل الإمبراطور في إدراكه ومعرفته- علاوة على أن واقع مثل هذا الأمر (كما ذكر أعلاه) ليس له وجود في الإسلام مطلقا - هو أن النبي صلى الله عليه وسلم واله وسلم لم يدع انه جاء بشيء جديد من الأساس، وهذا فإن الإيمان بالله الواحد ليس من خصائص أي دين دون غيره.
ووفقا للعقيدة الإسلامية فإن جميع الأنبياء الحقيقيين (عليهم السلام) كانوا يدعون أقواما مختلفين في أزمنة مختلفة إلى الحقيقة ذاتها. فمن الممكن أن تكون الشرائع مختلفة، ولكن الحقيقة لا تتغير. وتضمنت الرسالة إشارة إلى احترام المسلمين الكبير للبابا الراحل يوحنا بولص الثاني وتثمينهم لكلماته حين قال: نحن المسيحيين نعترف بكل سرور بالقيم الدينية التي نشترك فيها مع الإسلام.
وأود اليوم أن اكرر ما قلته لشباب مسلمين في الدار البيضاء قبل بضعة سنين: ( نحن نؤمن بالإله نفسه، الإله الواحد الحي، الإله الذي خلق العالم واخرج مخلوقاته في أكمل صورة (انسجنمنتي، VIII/2,1985، صفحة 497، اقتبست من كلمة خلال عظة عامة بتاريخ 5/5/1999). وأعرب التجمع في نهاية الرسالة المفتوحة عن (الأمل في أننا سوف نتجنب جميعا أخطاء الماضي ونتحاشاها ونعيش سوية في المستقبل بسلام، وتسامح واحترام متبادلين).