روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقال رجل: يا رسول الله، انصره إذا كان مظلوما، أرأيت إن كان ظالما، كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره». في هذا الحديث أمر بالتعاون والتناصر بالحق، وهذا التعاون والتناصر يشكل واحدا من أهم الأخلاق التي امتاز بها المسلمون فمن وجد أخاه المسلم مظلوما فعليه نصره بكل ما يستطيع ليرفع الظلم عنه بالكلمة الطيبة، والشفاعة الحسنة، واستغلال المكانة الاجتماعية وغيرها من السبل لإحقاق الحق ورفع الظلم عن أخيه المسلم،
وهذا أمر واضح لا يختلف عليه اثنان ولكن المسألة العجيبة التي أوردها الحديث تكمن في دعوته المسلم لنصرة أخيه الظالم، وقد طرح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك على السامعين في أسلوب يوهم ظاهره معنى غريباً، ليثير في نفوس السامعين تساؤلاً واستفساراً عن الحقيقة، وهذا ما حدث بالفعل فالسامعون يعلمون أن نصرة المظلوم واضحة لا تحتاج إلى شرح وبيان، ولكن نصرة الظالم أمر مشكل، خاصة إذا ارتبط ذلك بمفهوم نصرة الظالم في الجاهلية،
حيث كان التناصر قائما على القومية والقبلية والروابط العائلية، فالفرد ينصر قريبه ولو كان ظالما، وكذلك ابن قبيلته ينصره على من خالفه ولو كان مظلوما، ولكن الرسول الكريم المراد بنصرة الظالم في مفهومه الجديد في الإسلام القائم على الحق، وأن تلك النظرة تكون بحجزه ومنعه عن الظلم، فهذا هو النصر الحقيقي لذلك الظالم نصر له على نفسه الظالمة الأمارة بالسوء، ونصر له على وساوس الشيطان الذي يزين له الظلم، وإنقاذ له من عذاب الله يوم القيامة،
أما نصره بمعنى إعانته على أعدائه وخصومه فليس ذلك بنصر، إنما هو إعانته على الإثم والعدوان، وإعانة لأعدائه عليه من نفس وشيطان وخصوم في الدنيا، وقد يؤدي به ظلمه إلى الهلاك في الدنيا والشقاء الدائم يوم القيامة، وبذلك الهدي النبوي الوارد في هذا الحديث، يصحح الرسول الكريم مفهوم نصرة الظالم في نفوس سامعيه، ليجعل دائرة النصرة محددة بالحق، لا تتعداه، وبذلك تسقط أعراف الجاهلية في نصرتها للظالم،
وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم في نصوص كثيرة جعلت مراعاة الحق والعدل هو الهدف الذي يسعى وراءه المسلم بعيدا عن رابطة القرابة وغيرها قال تعالى «واذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى» الأنعام 6 وبذلك يظهر لنا من الحديث السابق موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في نصرة الظالم بمفهومه النبوي الجديد، الذي جعل قاعدة النصرة لا تتعدى الحق، وهذه قاعدة لو عمل بها المسلمون اليوم لوفروا على أنفسهم الكثير من الويلات التي نشأت بسبب نصرة الظالم بمفهومه الجاهلي الذي عاد للانتشار في مجتمعات المسلمين فساعد على ضياع الحق فيما بينهم.
د. أبو بكر الصديق