استعرضنا في الحلقة الماضية مكانة المرأة وكيف أن الإسلام أعلى من شأنها ورفعها مكاناً علياً، أماً وزوجة وابنة على عكس ما كانت عليه في العصور السابقة للإسلام وبقي علينا أن نستعرض في هذا المقام حقوقها التي أوجبها لها الدين الحنيف هذه المكرمة منه. ونبدأ أولاً:
حقوق المرأة بنتاً
وقبل أن نتحدث عن حقوق المرأة بنتاً في الإسلام، نعود إلى ما كان عليه حال البنات في الجاهلية، فقد أشرنا إلى ما حكاه لنا القرآن في الآيتين 58-59 من سورة النحل وهو قوله تعالى «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون» ولفظة هون: بمعنى الهوان، أي أن من يرزق بنتاً في قريش في زمن الجاهلية إن تركها تعيش فعيشة الذل والهوان وكأنها ليست منه، قيل كان إذا كبرت البنت ولم توأد يلبسها أبوها جبة من صوف أو شعر إمعاناً في إذلالها ويجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية، وإما يقتلها وأداً.
تروي كتب التاريخ أن البنت إذا صارت في سن السادسة يشير الرجل إلى زوجته بأن تزينها ليذهب بها إلى أحمائها ـ كذباً منه على الأم التي تفجع فيما بعد في ابنتها الموؤدة، ويكون هذا الأب القاسي قد حفر حفرة عميقة في الصحراء ويقول لابنته انظري ماذا في هذه البئر فتصدقه وما تكاد تفعل حتى يدفعها من الخلف في تلك الحفرة ويهيل عليها التراب، يدفنها حية وانه لمشهد بشع وفي منتهى القسوة.
وتقول كتب التاريخ والسير إن الرجل الجاهلي كان السبب في كراهيته للبنات هو الخشية من سبيها في الغارات التي كانت بين القبائل في ذاك الزمان أو أن يضطرها إلى الزواج بمن هو ليس كفؤاً لها، وهذه أسباب في اعتقاده تجعله يتخلص منها بصورة أو بأخرى.
وأشرقت الأرض بنور الإسلام الذي صحح كثيراً من المفاهيم الجاهلية الخاطئة فنظر للبنات نظرته للبنين وحفظ هذا الدين للأنثى بنتاً وزوجة وأماً كرامتها المهدورة،
فأما كونها بنتاً فقد حفز الآباء على رعايتها والإنفاق عليها وعلى تعليمها أسوة بالبنين، فالبنت تظل نفقتها على أبيها حتى تتزوج فإذا تزوجت صارت نفقتها على زوجها فإذا طلقت وعادت إلى بيت الأسرة يرعاها والدها وينفق عليها ويغدق عليها والداها من الإحسان ما يجعلها ليست في موضع حرج.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن سراقة ابن مالك رضي الله عنه: «ألا أدلكم على أفضل الصدقة؟ ابنتك مردودة إليك (المعنى مطلقة) ليس لها كاسب غيرك» لأنه ربما ترد إلى بيت أهلها وهي أرملة لرجل ثري ورثت عنه مالاً وحتى في هذه الحالة لا يخرج ذلك عن تكريم المرأة التي صار لها حق في الميراث ولو أنه أقل من الذكر (الرجل) فإنه بحال من الأحوال كفل لها الحياة الكريمة
ولم يكن لها هذا الحق قبل الإسلام إذ كان العرب في الجاهلية لا يورثون البنات في حين يورثون البنين. فإذا صارت المرأة زوجة فمهرها أولاً ملك لها لا ينازعها فيه أحد قل أو كثر يسلم لها تتصرف فيه وليس كما معروف بين الناس أن المهر يتسلمه الأب أو ولي الأمر إن كان غير الأب يتصرف هو فيه وليس لها الحق في المطالبة به أو يعد هذا عيباً، إلا أن تتنازل هي عن طيب خاطر بهذا المهر أو بجزء منه لولي أمرها أو لمشاركة الزوج في نفقات الزواج، عن طيب خاطر وليس بالإكراه.
قال تعالى «وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً» سورة النساء الآية 4 وإن كانت الآية الكريمة حسب علمائنا في تفسيرهم لها تخص اليتامى من النساء يكن في حجور من يتولون أمرهن إلا أن المشاركة يمكن أن تنداح فتشمل جميع النساء في حجور الآباء كن أم يتامى في حجور الذين يتكفلون بهن فمنطوق الآية الكريمة «وآتوا النساء صدقاتهن ولفظة «نحلة» أي هبة ومنحة لا مقابل لها من شراء أثاث أو غير ذلك مما يصرف من المهر في أيامنا هذه
يقول الدكتور محمد معروف الدواليبي في كتابه «المرأة في الإسلام» «إذا اشتكى اليوم بعض الملاحظين والدارسين من مشاهدة أمثال هذه الرواسب ـ يعني رواسب العادات التي كانت قبل الإسلام ـ وخاصة مثل وضع بعض الرجال من بناتهم واستغلالهن في حالة الزواج وامتلاك مهورهن خالصة لهم في بعض الأطراف الإسلامية وخاصة في بعض المناطق الريفية، فليس ذلك من المشكلات الإسلامية وإنما هي أيضاً من رواسب مشكلات المرأة في عهود الإنسانية الماضية البغيضة والمتأصلة في النفوس في بعض المناطق،
والتي حاربها الإسلام ولا يزال يحاربها بكل عنف. والزوجة في ظل الدين الحنيف إن كانت سيدة أعمال ولها أموال، لها السلطة على ثروتها تتصرف فيها كما تشاء ونفقتها واجبة إسلامياً على الزوج ولا يحق له أن يرغمها على المشاركة معه بمالها إلا عن رضا من نفسها كما عليها في المقابل أن ترعى حقوق زوجها فتحفظه في نفسها وماله. وحتى نفقة الأولاد من مأكل وملبس ومسكن على الأب (الزوج) حتى لو كانت الأم ثرية وتملك المال الوفير إلا ما تقدمه أيضاً طواعية غير مرغمة على ذلك.
والإسلام أقر للبنت حق الاختيار في الزواج وأن يكون برضاها فليس لأحد من والديها أو غيرهما أن يرغمها على الزواج بغير من تشاء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنكحوا (أي تزوجوا) الأيم (الثيب) حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن»، روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بفسخ نكاح خنساء بنت خذام ـ وكانت ثيباً ـ حينما شكت إليه أن أباها زوجها برجل بغير رضاها مما يدل على حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ هذا الحق، فهل نجبر بناتنا مخالفة لهذا النهج النبوي؟ فإذا جئنا إلى حق المرأة أماً،
فبداية لا يجبرها الإسلام على إرضاع أولادها، على اعتبار أن كفاية الطفل (وضمناً مؤونة إرضاعه) على ذمة المولود له ـ وهو الأب ـ كنفقته بعد فطمه، فعلى الأب أن يستأجر مرضعة لترضعه، وعلة عدم الإيجاب ـ يقول فقهاؤنا ـ إن الأم ربما تعجز عن إرضاع الطفل لمرضها أو عدم كفاية لبنها وربما تتجنب أو تترفع الأم عن الإرضاع تجنباً من التعب.
هذه هي المرأة ومكانتها وحقوقها في الإسلام، شرفها الإسلام وأنصفها ورعاها طفلة وصبية، وفصل الأحكام في شأنها حتى بيت الزوجية وبعد أن تصبح أماً وإن شئت فتابع ما ورد في شؤون المرأة في سور البقرة والنساء ويوسف والنور والأحزاب والطلاق والتحريم إلى غير ذلك من الآيات المنبثة في ثنايا الكتاب العزيز، لها حقوقها الاجتماعية وحقها في التعليم وحقها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحقوقها المالية.