أرادت المشيئة الإلهية ان يكون الإنسان هذا الحيوان الناطق المفكر، خليفة الله في الأرض وأناطت به مهمة تعميرها وتطويرها وخلق الجنة عليها من خلال منهج إلهي محكم، والله سبحانه لم يترك الإنسان هكذا عاطلا من الملكات أو خاليا من المواهب، بل سخر له كل ما في الكون من سهول وانهار وجبال وأشجار وارض سماء ويسر له ذلك، هذا من جهة ومن جهة أخرى منحه ملكة للتفكير قل ان تمنح لموجود آخر غيره، وهي العقل.

والعقل هو وكيل الله سبحانه عند الإنسان فيما يقول الجاحظ وهو أيضا أعظم حجج الله على خلقه فيما يقول أبو الحسن العامري من فلاسفة القرن الرابع الهجري، فهو أداة معرفية من أعظم ما ظهر في الوجود فيه يستطيع الإنسان ان يفهم ما حوله، ويستوعب الأحداث التي تتوالى على سمعه، ويزن الأمور ويوازن بين البدائل، ويحلل أبعاد القضية التي يقدح ذهنه فيها،

ويسبر غورها ويكشف حسنها وقبحها ثم يقبلها أو يرفضها، بالعقل ينتقل الإنسان بالعملية الفكرية من القضايا المعلومة إلى القضايا المجهولة، ومن الكليات إلى الجزئيات من خلال القياس، ومن الجزئيات إلى الكليات في استدلال صاعد، حينما ينتقل من مجموعة من الظواهر الجزئية إلى حكم عام يضمها في قانون واحد، فمثلا حينما نرى زعيم دولة تمثال الحرية يتهم الإسلام بالفاشستية وسبق ذلك قيام الجرائد السويدية بمهاجمة الرسول وتصويره في صور مخزية،

ثم يخرج علينا البابا بهجومه على الرسول والقرآن وأخيرا يكتب أحد الفرنسيين في الصحف الفرنسية فيتهم الرسول الكريم والقرآن، فأنت تستطيع من خلال تتبع هذه الظواهر الجزئية وأن تطلق حكما عاما بقولك لقد أصبح الإسلام يواجه حربا جديدة تتزعمها أوروبا وأميركا. ومن نافلة القول ان نشير إلى تأكيد الدين على استخدام الإنسان لعقله في أمور حياته الدينية والدنيوية ولما كان الله قد وهبه هذه الجوهرة النورانية والملكة الربانية، فمن البديهي ان يحثه على استخدامها ويأمره إلى ذلك امرا جازما،

فأمر بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون، وما يمكن النفوذ إليه من دقائق تحصيلا لليقين بما هدانا إليه، ونهانا عن التقليد، على حد تعبير محمد عبده. وتحفل آيات القرآن بهذه الدعوة المتكررة، وهذا الإلحاح المستمر «قل هاتوا رهانكم» «أفلا تعقلون» وقد أفاض القرآن في أثناء حواره مع المعاندين إلى تحكيم العقل، والإتيان بالبرهان، وتقديم الدليل والحجة ونعى على المقلدين المتبعين عادات الآباء وأقوال الأجداد ودعاهم إلى التدبر والتأمل والاستبصار واعمال العقل، وذم الذين يعطلون ملكاتهم ويلغون عقولهم وشبههم بالدواب، قال تعالى: «إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون».

وقد عبر الأفغاني عن هذه الفكرة بقوله: «ان الدين الإسلامي يكاد يكون منفرداً بين الأديان بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون وتبكيت الخابطين في عشواء العماية هذا الدين يطالب المتدينين ان يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم، وكلما خاطب؛ خاطبَ العقل، وكلما حاكم؛ حاكمَ العقل». ونضيف إلى ما سبق ان الإنسان برهن على وجود الله، وآمن به من خلال النظر في الظواهر الطبيعية المنبثة داخل الكون والدلائل الواضحة في الإنسان والحيوان والنبات والأجرام كل هذه المخلوقات لها موجد أوجدها وقوة قاهرة أبدعتها على هذا النحو.