من أعجب ما مَرَّ بي من مصادفات الشعر شيء وقع بين شعراء من هذا القرن ذلك أن الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله وكان مفتيا للديار المصرية.. روي أنه لما توفاه الله حضر جنازته لفيف من الشعراء هم أبو خطوة.. وعاصم.. وعبدالرازق.. وقاسم أمين.. وحفني ناصف.. وحافظ إبرهيم. فلما تم الدفن وَوضع الجثمان في التراب وقف الشعراء المذكورون كل منهم يرثي الشيخ. وقد قاموا بذلك بنفس هذا الترتيب. أي ابتدأ أبو خطوة ثم عاصم ثم عبدالرازق ثم قاسم أمين ثم حفني ناصف ثم حافظ إبرهيم.

ومن عجيب المصادفات أن دب الموت بعد ذلك بين أولئك الشعراء على نفس الترتيب الذي التزموه بينهم في الرثاء! فتوفي أبو خطوة ثم تلاه عاصم ثم تبعه عبدالرازق ثم لحق به قاسم أمين ولم يتبق سوى حفني ناصف وحافظ إبرهيم. وكان حفني سابقا في الرثاء كما قدمنا. ولكن حافظا أصابه مرض شديد فخَشِيَ على نفسه الموت فبعث إليه حفني ناصف مداعبا بقصيدة يقول له فيها:

أتَذْكُرُ إذ كُنّا على القَبْرِ سِتَّةً

نُعَدِّدُ آثارَ الإمامِ ونَنْدُبُ

وقفنا بترْتيبٍ وقد دبَّ بيننا

مماتٌ على وَفْقِ الرِّثاءِ مُرَتَّبُ

أبو خطْوةٍ ولَّى وقَفَّاه عاصمٌ

وجاءَ لعبدالرازقِ الموتُ يطلبُ

فلبَّى وغابتْ بَعْدَهُ شمسُ قاسمٍ

وعمّا قريبٍ نجمُ مَحْيايَ يغْرُبُ

فلا تخشَ هُلْكاً ما حَيِيتُ وإن أمتْ

فما أنت إلا خائفٌ يترَقَّبُ

فخاطرْ وقعْ تحت القِطارِ ولا تخفْ

ونمْ تحت بيت الوقفِ وهو مُخَرَبُ

وخُضْ لُجَجَ الهيْجاءِ أعزلَ آمناً

فإن المنايا منك تجري وتهربُ

وبالفعل شفي حافظ إبرهيم.. فبعث ببعض أبيات يداعب بها حفني يقول له:

أيا حِفِْني جزاك الله خيراً

بأحسنِ ما يكونُ لك الجزاءُ

فقد طمأنتني وأزحتَ عني

هموما ثم وافاني الشفاءُ

دعوتُ الله أن يبقيك حيا

تُعَمَّرُ في الحياة ولا تُساءُ

وما هذا لحبٍ فيك لكن

بقاؤك إنما هو لي بقاءُ

ثم لم يلبث حفني ناصف أن توفي.. وعندئذ ترقب حافظ الموت وأنشد في ذلك شعرا يرثي فيه نفسه وأشار فيه إلى ذلك التوافق العجيب.. يقول (فيما انتخبناه منه):

آذَنَتْ شمسُ حياتي بالمغيبِ

ودنَا المَنْهَلُ يا نفسي فطيبي

قد وقفْنا ستةً نبكي على

عالمِ المَشِْرقِ في يومٍ عصيبِ

وقف الخمسةُ قبلي فمضوْا

هكذا قبلي.. وإني عن قريبِ

وَرَدُوا الحوضَ تِباعاً فقضوْا

باتفاقِ في مناياهمْ عجيبِ

أنا مُذْ بانُوا وولّى عهدُهُمْ

حاضرُ اللوْعَةِ موصولُ النَّحيبِ

قد مضَى حفني وهذا يومُنا

يتَدانَى فاستتيبي وأنيبي

أذكُري الموتَ لدى النَّوْمِ ولا

تغْفُلي أن تذكري عند الهُبوب

واذكري الوحشةَ في القبْرِ فلا

مؤنسٌ فيه سوى تقوى القلوبِ

وبالفعل فقد توفي بعد حفني ناصف بمدة يسيرة!

وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى