كان هذا الرجل صاحب عقل كبير، وإنتاج قلمه في العلوم العقلية، رفع قدره وشأنه بين مفكري عصره وأدبائه وفلاسفته النابغين، وتميز باعتزازه بإسلامه، وكذلك اعتز بسبقه في محيط العلوم العقلية، التي عادة ما يتطير منها البعض، باعتبارها ليست مما يرحب بها المشتغلون بالعلوم الإسلامية، هذا إن لم يصموا المشتغل بها بالكفر والزندقة.
فهذا الفيلسوف ولد في أواخر العقد السادس من القرن الثالث الهجري، في بلدة «وسيج» قرب بلدة «فاراب» في تركيا، ونسب إلى هذه البلدة، وكان والده جندياً فقيراً، وقد رحل معه إلى بغداد، فتلقى تعليمه هناك، حيث أخذ اللغة العربية عن السراج أو ابن السراج النحوي المشهور، وأخذ المنطق عن أبي بشرمتي بن يونس وهو المبرز بين أقرانه في ترجمة الكتب اليونانية وغيرها، وكذلك درس على الطبيب يوحنا بن حيلان.
ولكن مواهبه شملت ألوان المعرفة جميعها، فقد كان رياضياً بارعاً، كما كان موسيقيا مبدعاً، وروى ابن خلكان أن الآلة الموسيقية المسماة بالقانون من اختراعه، وأنه أول من ركبها هذا التركيب المعروف كما روى أنه كان يغني في صباه، وكتاب الموسيقى الكبير للفارابي أعظم مؤلف عربي في الموسيقى، وكان له صدى كبير حين ترجم إلى الفرنسية عام 1930 على يد المستشرق الفرنسي «كارا دي فو»..!
وإلى جانب الفلسفة والمنطق، والأدب والنحو والرياضيات والموسيقى كانت له إلمامات نابهة بالطب، وروى أنه ممارس الطب عملياً، وكان يتقن اللغة العربية بعد إتقانه لغة قومه «التركية»، ثم درس الفارسية واليونانية، وبالغ البعض فنسب إليه معرفته بسبعين لغة..!
واطلاعه على التراث الفلسفي اليوناني، وهضمه وشرحه وبيانه، جعله ينال لقب «المعلم الثاني» بعد أرسطو «المعلم الأول» بعد ترجمة تراثه إلى اليونانية مرة أخرى،
وفي ذلك يقول ابن خلدون: «إن أرسطو سمى بالمعلم الأول لأنه هذب وجمع ما تفرق من مباحث المنطق ومسائله، فأقام بناءه متماسكاً وجعله أول العلوم الحكمية وفاتحتها، وسمي الفارابي بالمعلم الثاني لما قام به من تأليف كتاب يجمع ويهذب ما ترجم قبله من مؤلفات أرسطو خاصة، فمنذ أيام الفارابي أحصيت كتب أرسطو ورتبت على صورة لم تتغير في جملتها، وصارت تشرح وتفسر على طريقة الفارابي..!
ووضع الفارابي رسالة سماها (النكت فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم) احتكم فيها إلى مقررات الشريعة الإسلامية في رفض صناعة التنجيم، فأظهر فساد علم أحكام النجوم حيث يرى أن من الخطأ الكبير ما يزعمه الزاعمون من أن بعض الكواكب تجلب النحس، وبعضها يجلب السعادة، هذا بالإضافة إلى أن هناك معرفة برهانية يقينية إلى أكمل درجات اليقين، نجدها في علم النجوم التعليمي. أما دراسة خصائص الأفلاك وتأثيرها في الأرض وما عليها، فلا نظفر منها بأي لون من أنواع المعرفة، حتى ولو كانت معرفة ظنية، وعليه فإن دعاوى المنجمين ونبوءاتهم لا تستحق منا غير الشك والارتياب..!
والفرق بين أمثال الفارابي من فلاسفة المسلمين، ودعاة شريعة الإسلام، أن دعاة شريعة الإسلام عمادهم الأدلة النقلية، بينما الفلاسفة عمادهم ومعرفتهم عن طريق الاستدلال العقلي، وكذلك كان الفارابي، وزاد أنه جمع بين الطريقين، وهو ما أهله ليتبوأ هذه المكانة الرفيعة وجعلته أبا الفلسفة العربية، وجعلت مؤرخي الفلسفة يطلقون عليه: «المعلم الثاني» ويقولون: الحكماء أربعة: اثنان قبل الإسلام وهما أرسطو المعلم الأول، وأفلاطون الإلهي ـ أي أفلوطين ـ واثنان بعد الإسلام وهما الفارابي المعلم الثاني، وابن سينا الشيخ الرئيس..!
واعتبر الفارابي خير المفسرين لفلسفة أرسطو ومنطقه، وكذلك وفي نفس الوقت هو الحكيم المبرز في التوفيق بين فلسفة أرسطو وفلسفة أفلاطون من ناحية، وبين الفلسفة والدين من ناحية أخرى. وهذا الجهد الكبير للفيلسوف المسلم ـ الفارابي ـ قد ظهر على أتمه في تصوره لنظام الكون، تصوراً علمياً دقيقاً، بربط الفلسفة بالشريعة، ويحتج للإيمان احتجاجاً راسخاً، ويتصدى للملحدين ويسفه أحلامهم..!
ففي فلسفته أو منظومته الفلسفية التوفيقية، ان الله سبحانه هو خالق الكون وواجب الوجود بذاته، وعنه ـ سبحانه وتعالي ـ انبثق العقل الأول، ونشأت كرة السماء العليا أو الأولى، وعن العقل الأول انبثق العقل الثاني، ونشأت كرة الكواكب الثابتة وهكذا تتوالى العقول حتى التاسع، وتتوالى الكواكب من زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد حتى القمر، وفلك القمر هو مركز العقل العاشر تنبثق الصورة والهيولي أو المادة،
ومنها تتكون العناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب، وكذلك المخلوقات الأرضية السفلى: الإنسان فالحيوان، فالنبات، فالجماد، والإنسان الرفيع ـ الكامل ـ هو الذي يستطيع التسامي إلى الله عن طريق العلم بالفلسفة والمبادئ وعن طريق الفضائل بالشريعة والعقائد، وبهذا يعلو صعداً إلى مرتبة الإشراق، فالاتصال.
ومن هنا نجد بروز الصلة والأثر المشترك بين فلسفة الأفلاطونية الحديثة والأفلاطونية القديمة والنزعات الصوفية الإشراقية والمسحة الإسلامية أو الغطاء الإسلامي، لأفكار ومنظومات ليس بحاجة إليها، لأنه دين إلهي كامل كافٍ للفرد المسلم عن استيراد أية فكرة من ديانة أو فلسفة أخرى، غير أن الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام لا يخاطبون المسلمين بفلسفتهم، وإنما هم بصدد خطاب غيرهم، الذين لا يعرفون الإسلام..!
ومن هذا المنطلق، وعن قاعدة التأثر بالأفلاطونية القديمة، وخصوصاً بالجمهورية وعالم المثل، وضع الفارابي تصوره للمدينة الفاضلة في رسالته «آراء أهل المدينة الفاضلة» فيجعل رئيس المدينة حائزاً لصفات الكمال على النحو التالي: 1 ـ أن يكون تام الأعضاء، يؤدي كل عضو من أعضائه وظيفته على خير وجه وأيسره. 2 ـ أن يكون بطبعه جيد الفهم والتصور. يفهم ما يقال له حسبما يقصد القائل، ويتصور الأمور تصوراً سليماً.
3 ـ أن يكون جيد الحفظ لما يفهم ويرى ويسمع ويدرك، ولا يكاد ينساه. 4 ـ أن يكون جيد الفطنة والذكاء يفطن إلى الأشياء ويتمثلها بأقل دليل عليها. 5 ـ أن يكون مبيناً حسن العبارة، يواتيه لسانه على إبانة ما يضمره في أتم بيان. 6 ـ أن يكون محباً للعلم والاستفادة من الخير، سهل التقبل لهما، لا يؤلمه تعب التعليم ولا يؤذيه كد التحصيل. 7 ـ أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح، متجنباً بطبعه للعبث، مبغضاً للمتاع المادي.
8 ـ أن يكون محباً للصدق والصادقين، مبغضاً للكذب والكاذبين. 9 ـ أن يكون عظيم النفس ذا كرامة، تكبر نفسه عما يشين، وتسمو إلى كل رفيع. 10 ـ أن يكون محباً بطبعه للعدل والعادلين، مبغضاً للظلم والظالمين، فينتصف للمظلوم ويحث على الإنصاف ويتحرى كل ما يراه حسناً جميلاً.. يسهل قياده إلى العدل والحسن والجمال، ويصعب قياده إلى الظلم والجور والقبح. 11 ـ أن يكون قوي العزيمة جسوراً مقداماً على ما يراه لازم الأداء.
ومن الآراء التقدمية عند الفارابي أن يجيز القيادة الجماعية إذا تعذر توافر الفضائل المذكورة في فرد أو في شخص واحد، لأنه يتعذر وجود الكمال الإنساني في شخص واحد، ولذلك يمكن أن يكون رأس الدولة اثنين، أحدهما على الأقل فيلسوف، وإن تعذر فيمكن أن يتكون مجلس للرئاسة من ستة أفراد أحدهما على الأقل فيلسوف،
وإلا بقيت المدينة بلا رئيس، حتى يوجد من يصلح ورغم الملاحظات العديدة التي يمكن تسجيلها من قبل أصحاب الفكرة الإسلامية على بناء الفارابي فإننا كما قلنا إنه لا يخاطب بفكرته أو فلسفته المسلمين، وإنما خاطب بها غير المسلمين ممن كان يعيش دنيا الفلسفة، ويقدس منظومات الفلاسفة القدامى والمحدثين، ولا يعتقد بالأديان ولا يرى أن خطاب الأديان للبشر من قبل الله، وإنما يرى الأديان تعبيرا عن تفاعلات اجتماعية وإذا كان الفارابي قد تأثر بالفلاسفة الأقدم منه، فإنه أهم من أثر في أوروبا بعد فلاسفتهم وهيأ أسماعهم للتعلم عن الإسلام وفيوضه وإيحاءاته، رحمه الله وغفر له.