هذا الصحابي الجليل الذي عرف المنعم سبحانه وعرف نعماءه فتفكر في صنعائه في السراء والضراء ففتحت له العلوم بعدما تفرغ من الهموم. لقد كان آخر الأنصار إسلاماً لكنه كان في التفكير والاعتبار إماماً ولقد مدحه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً ( نعم الفارس عويمر هو حكيم أمتي) وقال عنه أيضاً ( لقد وعدني الله إسلام أبي الدرداء فأسلم).
لقد اسلم يوم بدر وشهد أحد وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد من على الجبل يوم أحد فردهم وحده وكان حسن البلاء ولذلك قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم (نعم الفارس عويمر) وفي البخاري من حديث انس قال مات الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن إلا أربعة ( أبو الدرداء ومعاذ وزيد بن ثابت وأبو زيد الأنصاري) . وكان يُكنى بابنته (الدرداء) وقد شهر بهذه الكنية وكان تاجراً قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء الإسلام قال جمعت بين التجارة والعبادة فلم يجتمعا فتركت التجارة ولزمت العبادة وكان يقول (ويل للذي لا يعلم مرة وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات) ولقد سُئلت أم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء قالت : التفكر والاعتبار .
وكان يقول (تفكر ساعة خير من قيام ليلة) وجاءه رجل يريد الغزو في سبيل الله فقال : أوصني يا أبا الدرداء فقال : اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء وإذا أشرفت على شيء من الدنيا فانظر إلى ما يصير . وكان يقول: ثلاث أحبهن ويكرههن الناس (الفقر والمرض والموت) أما الموت فأحبه اشتياقاً إلى ربي وأما الفقر فأحبه تواضعاً لربي وأما المرض فأحبه تكفيراً لخطيئتي.
ولقد مرض ذات يوم فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي يا أبا الدرداء قال: ذنوبي قالوا فما تشتهي قال: الجنة. قالوا أفلا ندعوا لك بطبيب قال: هو الذي أضجعني وأمرضني. وقد قيل له ألا تدعو الله لنا قال: (لا أحسن السباحة وأخاف الغرق ). وقيل له ذات يوم يا أبا الدرداء ما لك لا تقول الشعر فإنه ليس رجل له بيت من الأنصار إلا وقد قال شعراً قال وأنا قلت فاسمعوا:
يريد المرء أن يُعطى مناهُ ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أكبر ما استفاد
قالت أم الدرداء: (اللهم إن أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا اللهم فأنا أخطبه إليك وأسألك أن تزوجنيه في الجنة) فقال لها أبو الدرداء ( فإن أردت ذلك فكنت أنا الأول فلا تتزوجي بعدي) قال: فمات أبو الدرداء وكان لها جمال وحسن فخطبها معاوية صلى الله عليه وسلم. فقالت لا والله لا أتزوج زوجاً في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله في الجنة. ولقد كانت وفاته سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان صلى الله عليه وسلم.
الكرامة التي أكرمه الله بها:ـ أخرج أبو نعيم عن أبي البختري قال: بينما أبو الدرداء يوقد النار تحت قدر له وسلمان عنده إذ سمع أبو الدرداء في القدر صوتاً ثم ارتفع الصوت بالتسبيح كهيئة صوت الصبي فجعل أبو الدرداء ينادي يا سلمان انظر إلى العجب انظر إلى ما لم تنظر إلى مثله أنت ولا أبوك. فقال سلمان: أما إنك لو سكت لسمعت من آيات الله الكبرى.
وعند الذهبي من رواية خثيمة ( أن القدر سقطت على وجهها فجعلت تسبح بمثل رواية أبي نعيم ) ثم قال الذهبي: وهذا حديث صحيح. والكرامة في هذا الأمر ليس التسبيح من القدر لأن كل شيء يسبح كما يقول تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) وإنما الكرامة لأبي الدرداء أنه سمع هذا التسبيح من القدر. رضي الله عنه وأرضاه.