نحن في عصر الكثرة والوفرة والثراء والغنى بالرغم من كل ما يقال، لأننا ألفنا نعماً واعتدنا عليها حتى صرنا ننكر أنها من النعم، فبحكم الألفة تحول كل شيء إلى «عادي» و«طبيعي» و«مفروغ منه». والأمر لم يقف عند حد ولم يقف عن مجال من المجالات، ففي بيوتنا مؤونة تكفي لشهور، وفي الأسواق ما يكفي لسنين، والتدريس مئات الأنظمة والبرامج والمناهج، والجامعة كليات وتخصصات وفروع عن فروع عن أصول، والانترنت مئة مليون موقع، ومعارض الكتاب عشرات الآلاف من العناوين، والفنادق والمطاعم والمطابخ والعطلات والإجازات... كل هذا لا يحيط به عقل مع أنه متاح أكثر بكثير مما كان عليه من قبل.

هذه «الزحمة» تجعل الإنسان أقرب إلى أن يكون مدهوشاً وضائعاً بشكل دائم، فلا يعقل أن عليه أن يختار في كل خطوة يخطوها بين البدائل المتاحة وأن يحزن على البدائل المتاحة لكثيرين غيره لا له ومع كل هذا لا يشعر إنسان هذا القرن بالإشباع مع أن ما حوله وما بين يديه كفيل بتخمته وقتله. هذه «الزحمة» في كل شيء سببها الوفرة والكثرة والاعتياد على هاتين الأخيرتين إلى حدود عدم الشعور بهما، وهذه الحال على الرغم مما فيها من هدر لم تفلح في إسعاد الإنسان إن لم تكن سبباً في هم وغم شديدين.

خذوا عندكم مثلاً ازدحام السيارات في الطرقات وكل منكم الآن يزفر زفرة ـ تطبخ طبخة من شدة حرارتها كما يقال في بلاد الشام ـ فكلنا نعاني من هذا الازدحام الذي يضطر المرء إلى قضاء «ساعات» في طريق يستغرق «دقائق»، فإذا كان هذا سيتكرر كل يوم كان كفيلاً بإحداث الجلطة والسكتة وكل أنواع الموت المفاجئ إن لم نقل أنواع الجنون والشرود عن العقل المفاجئ.

إن موظفين يحتاجون إلى ساعتين صباحاً للوصول إلى أعمالهم وساعتين مساء للعودة إلى بيوتهم يعني أنهم يستغرقون على الطريق نصف مدة عملهم اليومية، وتخيل معي موظفاً يدخل صباحاً إلى عمله بعد أن أمضى ساعتين على الطريق بكل ما فيهما من صبر وقهر كيف يقول لزملائه صباح الخير؟ وكيف يبدأ عمله؟ وفي هذا الأخير ما قد ينهي الأمر فيرفع ضغطه إلى حدود ينفجر فيها دماغه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الحكومة تفعل المعجزات في فتح الطرق وإقامة الجسور وحفر الأنفاق والتحايل على الزحمة بكل طريقة ممكنة والمشكلة تزداد!! لماذا؟ لأن هذا عرض من أعراض داء الكثرة، فمن قال أن القاعدة التي تقول أن من حق كل من يصل إلى الثامنة عشرة من عمره أن يكون له سيارته الخاصة هي قاعدة ممكنة وصحيحة؟ وهل هذا معمول به في كل بلاد العالم حتى المتقدمة منها. لا يتصور أن يكون للزوج سيارة وللزوجة سيارة ولكل ولد سيارة، ومن أين تأتي الحكومة بالطرقات لكل هذا البذخ الذي أعلم أن من يقرأني أكثرهم يرفضون اعتباره بذخاً ويعتبرونه ضرورة، والنتيجة ... هذا النعيم الذي نعيشه جميعاً من الاحتباسات المرورية.

لقد ارتفع مستوى الطموح عند شبابنا وشاباتنا إلى حدود الطمع مرافقاً بعدم الإحساس وبعدم تقدير النعم، ففي جيلنا لم يكن وارداً أن يفكر أحدنا عندما يكون على أبواب الجامعة أن يطلب من أبيه مجرد سيارة تأخذه وتعود به، أما أبناؤنا اليوم فهم يفكرون بطريقة من يريد تبديل السيارة فترة على حساب الأب والأم المحبين وإلا حلت عليهما اللعنات والنقم. أعتقد أن على وكالات السيارات الموجودة في بلادنا أن تجهز السيارات المستوردة لنا بمقياس للضغط وببراد للفوط التي تنفع في تبريد الرأس عند الحمى، وليكن هذا على حساب جودة السيارة التي لم يعد يطلب منها أن تخدم طويلاً، فكلها سنة أو سنتان وترمى ليجلب غيرها.

خسائر هذه «الزحمة» ملايين تهدر في أسعار السيارات وفي وقودها الذي يحترق ليملأ صدورنا بالتلوث، بالإضافة إلى خسائر ساعات العمل المبتورة بسبب التأخير وأموال الأدوية المهدئة والمسيطرة على الأعصاب والمخ والضغط، واسألوا دول العالم من الشرق إلى الغرب كم دولة يزهد فيها الناس كل الناس بالمواصلات العامة ويصر كل مراهق على الجلوس وراء مقود سيارة خاصة به،

وإلى حيث يتم إعادة هيكلة أدمغة أجيالنا ـ هذا إن كان ممكناً ـ فإنني أنصح المقيمين في سياراتهم قسطاً من النهار وقسطاً من الليل أن يفيدوا من هذه الأوقات بغير التدخين الذي يهري الصحة والجيب، ومكالمات الجوال التي تهري الجيب والأخلاق فالوقت كاف لحفظ كامل القرآن الكريم والجمع على القراءات العشر!! أو لدراسة علم من العلوم كالتفسير والفقه والنحو وصولاً إلى الماجستير والدكتوراه ...... زحمة يا دنيا.