يودع المسلمون ضيفاً عزيزاً بعد أن استقبلوه بما يليق به، وعاشوا أيامه ولياليه في رحاب رضا المولى عز وجل، فصفت نفوسهم وارتقت أرواحهم في مدارج الكمال وعاشوه إخوة متحابين متعاطفين متراحمين وهم عازمون على أن يستمروا هكذا طوال أيام العام. يودع المسلمون شهر رمضان الذي جاءوا ستوقف الركب السائر وزوده بعطاء ربنا كي يأخذ كل سجل دوره في الحياة ويؤدي ما عليه تجاه خالقه عز وجل وتجاه الناس.
ومع تباشير عيد الفطر تجد المسلم يواظب على نشر السعادة على من حوله وذلك بالكلمة الطيبة والنظرة الحانية التي تستظهر المودة والألفة والصداقة، الأمر الذي جعل المسلمين وهم يستقبلون عيد الفطر يبتهجون بالعيد وبالحياة. قال تعالى: « قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» يونس: 58. وإظهار السرور في العيد مندوب وذلك من الشريعة التي شرعها الله تعالى لعباده، وترويح البدن، وبسط النفس بما ليس محظوراً ولا شاغلاً عن الطاعة من آداب العبد في يوم العيد، يوم الجائزة الإلهية، يثيب المولى عز وجل، عباده الذين جاعوا من أجله، وهجروا المضاجع ووقفوا بين يديه خاشعين ضارعين أن يتقبل منهم، واغتسلوا في بحار التوبة والإنابة يثيبهم لمغفرته ورضوانه وتوفيقه لقاء ما قدموه من خير طوال أيام شهر رمضان.
وسمي العيد عيداً لأن فيه عوائد الإحسان من الله وفوائد الامتنان منه للعبد. وقيل: لأنه يعود العبد فيه إلى التضرع والبكاء، ويعود الرب تبارك وتعالى فيه إلى الهبة والعطاء. وقيل: إنما سمي العيد عيداً لأنه يقال فيه للمؤمنين عودوا إلى منازلكم مغفوراً لكم. وقيل: إنما سمي العيد عيداً لأن فيه ذكر الوعد والوعيد ويوم الجزاء والمزيد، ويوم عتق الإماء والعبيد، وإقبال الحق إلى القريب من خلقه والبعيد. في العيد يمتزج القول بالعمل، ويظهر المسلم بمظهر طيب يدل على النقاء والصفاء، وتزدهر الحياة بنور الإيمان، ويتغنى الكون بأنشودة المحبة والسلام، وتمتلئ الدنيا بمواكب التآخي والتعاطف والتراحم.
روى عن سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق فنادوا: أغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى مناد ألا إن ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة.
ولا شك أن من أسباب السعادة ونشر المحبة بين الناس أن السعي المسلم لزيارة رحمه وأقاربه، مع ضرورة التودد إليهم كي تتحقق في نفسه معنى العيد وذلك عندما يخفض جناحه ذلاً ورحمة ورقة وليناً لوالديه ويتأدب معهما ويسعى لمرضاتهما ويسمع نصحهما، الأمر الذي يدخل السرور والسعادة عليهم ويجعلهم ينعمون ببر أبنائهم لهم، كما تتحقق السعادة بين الناس في العيد عندما يتهادون عن مودة ومحبة ويشع روح الجوار الحسن بين الناس، فيشعر الإنسان أن أبناء البلد الواحد كأنهم أهل دار واحدة يوسع الغني على الفقير والمسكين والأهل والأولاد واليتيم، فيسعد الجميع وينعمون بما حباهم الله من نعم.
ولا شك أن عيد الفطر لم يكن لعاص رفض رمضان وأكل وشرب، وإنما عيد الصائمين الذين قال فيهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه. وأهل الطاعة والإحسان في العيد هم أهل لثواب الله تعالى ورضاه جاء في الحديث: «إذا كانت ليلة الفطر ارتجت الملائكة، وتجلى الجبار تعالى بنوره مع أنه لا يصفه الواصفون فيقول للملائكة وهم في عيدهم من الغد: يا معشر الملائكة، يوحي إليهم، ما جزاء الأجير إذا وفى عمله؟ تقول الملائكة يوفى أجره، فيقول الله تعالى: أشهدكم أني قد غفرت لهم.
على المسلمين الذين وفقهم المولى عز وجل لصيام رمضان أن يقابلوا العيد بالبشر والسعادة والسرور وتكميل النفس بالآداب الإسلامية الرفيعة وتجميلها بالمحامد ونبذ الشقاق والخصومات، فالعيد يعتبر فرصة لتصفية الخلافات وإزالة ما في النفوس من نوازع الشر وعودة الوفاق والوئام بين المتخاصمين فلا يكفي أن نتصافح بالأيدي، ولكن يجب أن تتصافح قلوبنا وتتصافى نفوسنا، وتمتلئ صدورنا بالحب ونرتفع فوق أهوائنا كي يسود السلام والحب والسعادة بين الناس، وحتى يشعر الناس بحلاوة العيد وعلى المسلم أن يتجرد من شوائب القطيعة والانعزال. ويشارك الآخرين بجميل التحايا التي تعمل على إزالة العبوس وإظهار الفرحة بالعيد، فيوم العيد هو يوم الجميع، يستمتعون فيه بعطاء السماء بعد أن عاشوا نفحات شهر رمضان. في يوم العيد نقول للجميع تقبل الله منا ومنكم وكل عام والجميع في سعادة وهناء.
وفي ختام اللقاء... دعاء ورجاء: إلهي يا غفور يا رحيم، اغفر لنا وارحمنا وتقبل منا صالح أعمالنا واجعلنا ونحن نودع شهر رمضان ونستقبل عيد الفطر المبارك، اجعلنا من الفرحين المستبشرين الذين كنت معهم ففازوا برضاك، ووفق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وادفع عنا البلايا والمحن وجنبنا الأهواء المضلة وخذ بأيدينا إلى ما يرضيك عنا، فقد تلذذنا بحلاوة النجوى وابتعدنا عن مواطن الشكوى فلا تحرمنا من عطائك ولا تكشف عنا غطائك، وتلطف بنا فيستقي حران، ويهتدي حيران، ويرقأ دمع ويصفو سمع، وينفى من العين ما كدرها ومن النفس ما غيرها حتى نكون على الجادة الموصلة إلى مرضاتك يا كريم. «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب».