الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهو عقيدة راسخة في القلب. والعقيدة رباط معنوي يربط المسلم بربه، رباط معقود لا تحله أزمة مادية ولا اضطهاد بشرى، لأنها عقدة روح بالحقيقة العليا. فهي تنبع من الروح وتشع في القلب وتتصل بأسباب السماء وبمددها الذي لا ينقطع ولا يعز على طالب إذا صدقت نيته. والمسلم بهذه العقيدة.. روح قبل أن يكون عقلاً ألمعيا.. والمسلم بهذه العقيدة يثبت في حين تتنزل الدنيا من حوله ويرى في نذر المحنة بشائر النصر وهو بها أكبر من الأحداث لأنه من الله في كنف حصين وركن شديد، يعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.
والناس أجمعون مأمورون بالإيمان مطالبون بالتقوى والإيمان تصديق بالقلب لا كلمة تلوكها الألسنة. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي فأسند ركبته إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه قال يا محمد أخبرني عن الإسلام
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً قال: صدقت قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك
قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرني عن أمارتها قال: أن تلد الأمة ربتها ، وان ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون البنيان قال ثم انطلق فلبث مليا ثم قال لي يا عمر: أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال: فانه جبريل آتاكم يعلمكم دينكم. وفى رواية لمسلم أن ترى (رعاء البهم) واتفق معه البخاري (رعاة الإبل البهم) في اللفظ المذكور.
ويستدل مما تقدم أن جبريل كان السائل ورسوله الله - صلى الله عليه وسلم - يجيبه بأركان الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان والحاضرون يقولون: عجبنا! يسأله ويصدقه وهو يبين في وسط الحديث القواعد التي على أساسها تبنى عقيدة المؤمن.. الإيمان بالله أولاً، ثم الملائكة والرسل واليوم الآخر والقدر.. عندئذ تثبت العقيدة، ورجال العقيدة يعيشون على الأرض في هذه الدنيا ولا تعيش فيهم، ويأكلون منها ولا تأكل منهم، يرون الدنيا كلها كما هي.. وتنفذ بصيرتهم إلا ما وراءها من الخلود: «أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون» «سورة المجادلة».
وقد تحدث القرآن عن الإيمان وتحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما زلنا نقدم علامات ودلالات للدخول في تفاصيل الإيمان حيث منه الصحيح ومنه المزعوم. حدثنا موسى بن طلحة قال: حدثني أبو أيوب أن أعرابياً عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في سفر فأخذ بخطاب ناقته أو بزمامها ثم قال: يا رسول الله أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني عن النار قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر في أصحابه ثم قال لقد وفق. أو لقد هدى قال: كيف قلت قال: فأعاد فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم. دع الناقة.
هذا الأعرابي من أهل البادية يأخذ بخطام الناقة ويسأل عن الغاية.. الكبرى التي هي غاية كل مؤمن موحد ألا وهي الجنة. والجنة غاية غالية الثمن باهظة التكاليف، والإيمان هو الوسيلة الموصلة لهذه الغاية. فيقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تعبد الله لا تشرك به شيئاً» إنها كلمات قليلة تحمل معاني سامية.. معاني العقيدة. والإيمان تحدث عنه القرآن في صيغة الإشارة (الذين آمنوا) (الذين يؤمنون بالغيب) (إن الذين آمنوا) ويتصدر سورة (البقرة) نبأ الإيمان بالغيب، مشيراً بذلك إلى المتقين (هدى للمتقين) ثم يصف المتقين.
(الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) سورة: البقرة. ففي سورة البقرة يحدد الفلاح للذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا للذين يوقنون بالآخرة فشرط من شروط الإيمان سالفة الذكر الإيمان باليوم الآخر.
هو العتبة التي يجتازها الإنسان فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير الذي تدركه الحواس - وإن السمة الأولى التي تحدث عنها القرآن في بداية السورة، لتشير إشارة واضحة إلى الإيمان بالغيب، والقيام بالفرائض، والإيمان بالرسل كافة،
وإلى اليقين بعد ذلك بالآخرة،هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلامية وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة والتي لا يرضى بغيرها المؤمنون ولا يبتغون غيرها شرعة ومنهاجاً، حيث يجدون فيها الفلاح وينهلون من منهجها الخير المديد كما أن اليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين الحق والباطل.. بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود، ومن يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء وأن الحياة الحقيقية إنما هي هناك وراء هذا الحيز الصغير،
ومع التقوى والإيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها، وجعلها صلة بين العبد والرب، وهذا الإيمان من سمات أهل هذا الدين الذين يؤمنون بالمادة وبما وراء المادة، ويوقنون بأن الكون المحسوس ليس الوجود كله بل وراءه وجود أرحب منه وأبقى. ولم يكن الإيمان بالغيب ذريعة إلى الإيمان بالخرافة، وثغرة ينفذ منها أصحاب العقول السقيمة لترويج الأساطير وتصديق الترهات. ومصاب الأديان يجيء من أناس يختلقون الافك ثم يقحمونه إقحاماً على حقائق الدين تحت عنوان الإيمان بالمغيبات ومن ثم فلا مجال لذوي الخيال الجامح والهوى الطافح أن يخدعوا الناس، ولا مجال لمن فقدوا الاتزان العقلي أن يلتصقوا بالدين أو يجعلوا كلامهم من قبيل الغيوب المسلمة.