القناعة والرضا بما قسم الله للعبد خلق المؤمنين صادقي الإيمان غير المستشرفين لما في أيدي الناس، الذين لا يشكون ولا يتبرمون لحالهم إن كان ظاهرة قلة الرزق، فلا يسألون غير الرب الخالق الرزاق الكبير المتعال، ويحيطون أنفسهم وسؤالهم لله بسور الاقتصاد والاعتدال فلا يبخلون خشية الإنفاق ولا يبسطون أيديهم كل البسط فيقعدوا ملومين محسورين، وهم سليمو العقيدة صحيحو توحيد الربوبية، يعلمون أن الله سبحانه وحده الرزاق الخالق المدبر لشؤون الكون (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) فهو وحده المتكفل بأرزاق المخلوقات من سائر الدواب صغيرها وكبيرها بحريها وبريها وهو سبحانه يعلم منتهى العلم منتهى سيرها في الأرض وأين ستأوي.

والقناعة طريق نهايته التعفف وهي سمة خير جيل عرفه التاريخ، جيل الصحابة من المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله ورسوله، وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم، ولا يستطيعون سفرا للتسبب في طلب المعاش، وهم مع هذاه الحال يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم في قولهم وفعلهم، ولا يلحون في مسألة ولكن من تأمل في ذلك عرفهم وعرف اعتدالهم، قال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) فلا يبذرون ولا يسرفون وفي الوقت ذاته لا يبخلون فيقصرون في حق من يعولون بل هم وسط.

وهؤلاء القانعون المتعففون يدركون ببصيرتهم أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس وهذا هو الغنى النافع الذي يغني النفس عما في أيدي أناس ويقنعها بما رزقها الله فيحجبها عن المطامع ويحفزها إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق فيحصل لها بذلك أكثر من غنى المال الذي يورث في الأغلب الأعم الحرص والشح والبخل والطمع مما تسوق صاحبها إلى أرذل الأخلاق لدناءة همته وانحطاط نفسه ومن ثم كان الدعاء(اللهم قنعنا بما رزقتنا)

وقد أوضح النبي ذلك في الحديث المتفق عليه فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس) وغنى النفس لا يتولد إلا من القناعة وعدم الازدياد لغير الحاجة وفي هذا الفلاح الحقيقي. ففيما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد افلح من اسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه).

ولان الفلاح والسعادة في الكفاف والقناعة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليمها للصحابة فهذا حكيم بن حزام رضي الله عنه يقول سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ( يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى) قال حكيم فقلت: يا رسول الله،

والذي بعثك بالحق لا ارزأ(آخذ أو انقص أحدا بالأخذ منه) أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا. فكان صديق الأمة أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما عليه رضوان الله ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا. ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى حكيم أن يقبل العطاء فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني اعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي.

وبهذا يتبين لنا أن المعطي خير من الآخذ وان جمع المال وتطلع النفس إليه وطمعها فيه من غير حاجة يضر ولا ينفع ولا يبارك فيه لذا كان التعفف عن السؤال الناس ولا سيما لغير حاجة أكرم واشرف وأزكى للنفس ولذلك وفى حكيم بن حزام رضي الله عنه بوعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتزم بعهده فلم ينقص أحدا بأخذ منه، ولأنه طلب العفة أعفه لله سبحانه وتعالى وأغناه من فضله وكانت يده العليا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).

وقد نهى النبي عن إحراج الناس بالإلحاح في السؤال لدفعهم وحملهم على العطاء بالحياء لان ما يعطى بسيف الحياء عن غير رضا لا يبارك الله لمن أخذه فيه وهو حرام على أرجح الأقوال وليس أدل على ذلك من حديث أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه الذي رواه مسلم فعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلحفوا (أي تكثروا وتلحوا في الطلب والمسألة) في المسألة، فو الله لا يسألني احد منكم شيئا، فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته) أي لا يبارك له في هذا الشيء كما شرح العلماء الحديث.