العَقْلُ هو العلمُ الأوَّل، الذي يزجُر عن القبائح. وكل من كان زاجرُه أقوى كان أَعْقَلَ. وقال بعضهم: العقل يمنع صاحبه عن الوقوع في القبيح، وهو من قولك: عقَلَ البعيرَ بالعقال، إذا شدَّه به، فمنعه من أن يثور. وعَقَلتِ المرأةُ شعرَها، وعَقَلَ لسانَه: كفَّه، ومنه قيل للحِصْن: مَعْقَلٌ، وجمعه: مَعَاقِل.
وقال بعضهم: العقل: الحفظ. يقال: أعقلت دراهمي. أي: حفظتها. وقيل: العَقْل يفيد معنى الحَصْر والحَبْس، وعَقَلَ الصَّبِيُّ، إذا وجد له من المعارف ما يفارق به حدود الصبيان. وسُمِّيَت المعارف، التي تحصر معلوماته: عَقْلاً؛ لأنها أوائل العلوم. ألا ترى أنه يقال للمخاطب: اعْقِلْ ما يقَال لك. أي: احصر معرفته؛ لئلا يذهب عنك. وخِلافُ العَقْلِ: الحُمْقُ، وخِلافُ العِلُمِ: الجَهْلُ.
وهذا القول في حَدِّ العَقْلِ أحسَنُ من قولهم: هو علمٌ بقُبْحِ القبائح، والمنعِ من ركوبها؛ لأن في أهل الجنة عَقْلاً، لا يشتهون القبائح، وليست علومهم منعًا. ولو كان العقل منعًا، لكان الله تعالى عاقلاً لذاته، وكنا معقولين؛ لأنه الذي منعنا، وقد يكون الإنسان عاقلاً كاملاً مع ارتكابه القبائح. ولمَّا لم يَجُزْ أن يوصَفَ الله تعالى بأن له علومًا حصَرت معلوماته، لم يَجُزْ أن يُسَمَّى: عاقلاً؛ وذلك أنه عالم لذاته بما لا نهاية له من المعلومات. ولهذه العلة لم يَجُزْ أن يقَال: إن الله تعالى مَعقولٌ لنا؛ لأنه لا يكون محصورًا بعلومنا؛ كما لا تحيط به علومنا سبحانه.
والعَقْلُ يُقَالُ للقوَّة المتهيِّئة لقَبول العلم، ويقَال للعلم، الذى يستفيده الإنسان بتلك القوة: عقلٌ. والأول مطبوعٌ، والثاني مسموعٌ. وإلى الأول أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما خلق الله خلقًا أكرمَ عليه من العقل». وإلى الثاني أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: «ما كسب أحد شيئًا أفضلَ من عقل يهديه إلى هدًى، أو يردُّه عن ردًى ». وهذا العقل هو المَعْنِيُّ بقوله تعالى: وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِّلا الْعَالِمُونَ (العنكبوت:43).
وكل موضع رفع الله تعالى فيه التكليفُ عن العبد لعدم العقل، فإشارةٌ إلى الأول. وكل موضع ذَمَّ الله تعالى فيه الكفار بعدم العقل، فإشارةٌ إلى الثاني؛ نحو قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ، إلى قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (البقرة:171)، فسلب العقل عن الذين كفروا؛ لأنهم لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان. وهم الموصوفون بقوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (الأنفال:22). وقوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (يونس:100).
وكل موضع ذَمَّ الله تعالى فيه المنافقين وصفهم فيه بعدم الفِقْه تارة، وبعدم العلم تارة أخرى؛ نحو قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون .. (المنافقون:3)- وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (المنافقون:8)- وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ..(التوبة:93).