يجمع الخبراء المعماريون الذين درسوا البيئة المبنية في الإمارات على أن مساجد الأحياء، وبصفة خاصة الصغيرة منها والتي تقيمها في الغالب فعاليات القطاع الخاص من أفراد وعائلات وجمعيات خيرية، تشكل ساحة مميزة لا تزال تنتظر المزيد والمزيد من المساهمات المعمارية.

ربما يرجع هذا في احد جوانبه إلى التوسع العمراني الكبير في مختلف أرجاء الإمارات، وغالبا ما يأخذ هذا التوسع شكل الامتداد الهائل أفقيا، حيث تتوالى الوحدات السكنية المتماثلة أو المتقاربة في تصميمها، حيث يتم الاختيار من عدد محدود من نماذج التصميمات المتكررة. هنا تبرز وظيفة بالغة الأهمية من وظائف المسجد وهي كونه نقطة اشارية دالة، من دونها يكاد يستحيل الاستدلال على المكان أو الاتجاهات في هذه الأحياء حديثة الإنشاء خاصة انه إذا استثنينا الحدائق أو الملاعب فلا يكاد يوجد في هذه الأحياء إلا امتداد متماثل من الوحدات السكنية.

الأمر الأكثر أهمية هو أن المسجد يعبر عن هوية التجمع الإنساني الذي يتخذ من حي بعينه مسكنا له، وعن تفضيلاته فيما يتعلق بالإنشاء والجماليات المعمارية والوظائف العامة العديدة التي يضطلع بها المسجد في حياة هذه الأحياء. وتأمل هذه القضية التي نعتقد أنها لم تلق حقها من الاهتمام والبحث والمناقشة يتيح أمامنا المجال لإلقاء نظرة على مسجد ينتمي إلى هذه النوعية بامتياز ويقدم مجموعة مهمة من الحلول للمشكلات المعمارية. هذا المسجد هو مسجد الشيخ سالم بن سلطان القاسمي في رأس الخيمة. وأول ما يلفت نظرنا فيه هو أنه يحاول استدعاء مؤثرات من التفضيلات المعمارية ذات الاستلهام المحلي، وهو استدعاء لابد لنا من الاعتراف بأنه محدود بشكل ملموس.

في هذا المسجد سنلتقي مع كل الملامح التقليدية المألوفة التي تشكل في وجداننا أجزاء ضرورية من الصورة العامة للمسجد، فالمئذنة قائمة ولكن من دون مغالاة في الامتداد ولا الارتفاع، وهي تتباهى بشرفتيها الجميلتين ومبخرتها النحتية الجميلة، ولكن لا حضور هنا للمقرنصات ولا لعناصر التجميل والزخرفة التي نجدها في مساجد اكبر مساحة وحجما. الرواق المعمد سيلفت نظرنا بالطبع وكذلك العقود الواضحة والبسيطة والأعمدة التي تصل إلى حد التجريد والتقشف، وهناك أيضا العرائس التي تتألق في حافة سقف المسجد. وفق ما يمكن أن نتوقعه فإن بيت الصلاة المستطيل ترفع سقفه مجموعات من الأعمدة الموزعة بشكل مدروس. والمشروع الزخرفي للمسجد يملك ذوقه الخاص القائم على استحضار الجميل والجليل معا في ظل ابتعاد صارم عن المبالغة في العناصر الموظفة في استخدام هذا المشروع.

الحضور الملموس لمادة الخشب والنقوش المنفذة فيها يمتد إلى المحراب الذي تردد طاقيته اصداء عقود المسجد، وينحت المنبر نحتاً في فضاء المحراب الذي تعلوه حشوة خطية بالغة البساطة تتكامل معها ميداليتان ذات اليمين وذات اليسار. ويظل ما يقدمه هذا المسجد غنيا بحلوله المعمارية، بلا ادعاء، ولا مبالغة، ولكنه بالطبع ليس الاقتراح الوحيد وإنما آفاق الإمارات لا تزال في انتظار دفق من الاقتراحات لحلول مشكلات مساجد الأحياء.