في حياة المسلمين معارك خالدة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة بل ستظل ذكريات عطرة وخير شاهد على عبقرية بعض قادة وجنود المسلمين عبر التاريخ، ومن هذه المعارك التي لا تنسى معركة حطين التي وقعت منذ حوالي ثمانمئة وتسعة عشر عاماً بين جيوش المسلمين بزعامة صلاح الدين الأيوبي وجيوش الصليبيين بزعامة ريمون الثالث أمير طرابلس وجي دي لوزينيان ملك القدس في الرابع من يوليو عام 1187 ميلادية (583ه).

وأجمع المؤرخون على أن جيوش الجانبين كانت شبه متعادلة تقريبا في العدد والعتاد والمعدات غير أن جيوش المسلمين كانت تتفوق في العزيمة والإيمان والعقيدة الصادقة في تحرير بلادهم من دنس الغزاة والمحتلين. كما أن المسلمين كان يقودهم قائد فذ عرف كيف يدير المعركة بقدر كبير من ا لذكاء والدهاء. والتي ظل يعد لها لمدة عشر سنوات سابقة تم خلالها توحيد جبهة المسلمين من النيل إلى الفرات ثم جمع قواته من مصر وحلب والجزيرة وديار بكر لتلتقي جميعا في دمشق ومن هناك انطلقت في طريقها لملاقاة جيوش الصليبيين.

ومن ثم اتجه الجيش الاسلامي بقيادة صلاح الدين إلى حصن الكرك فحاصره ودمر زروعه ثم اتجه بعد ذلك إلى الشوبك ففعل به مثل سابقه ثم قصد بانياس بالقرب من بحيرة طبرية. وفي أثناء ذلك تجمعت القوات الصليبية بقيادة ملك بيت المقدس دي لوزينيان وانضمت إليها قوات ريموند الثالث أمير طرابلس في مدينة صفورية.

واستخدم صلاح الدين عبقريته العسكرية فقرر مهاجمة طبرية التي كانت تحتمي بقلعتها زوجة ريموند الثالث فاستولى على الحصن وعلى البحيرة وبذلك ضمن السيطرة على المياه وفي نفس الوقت استفز الصليبيين ليتحركوا إليه مدخراً قواه وجهود رجاله واستدرج الجيوش الصليبية للسير حوالي 27 كيلومترا في تضاريس صعبة وطريق وعرة وشمس حارقة يكاد الظمأ يقتلهم لأن المياه كانت تحت امرة المسلمين.

ولجأ صلاح الدين إلى الحيلة مرة أخرى فأحرق الحشائش التي كانت تنمو في المنطقة لينتج عنها سحابة ضخمة من الدخان غطت جيوش الصليبيين وعندما اقتربوا من حطين انهالت عليهم سهام ونبال المسلمين دون أن يعرفوا مصدرها وسط تهليل وتكبير المسلمين ونجح صلاح الدين في تطويق الصليبيين ليفرض عليهم حصاراً محكماً ثم شن عليهم هجوما كاسحا فقتل وأسر منهم أعدادا هائلة ووقع في الأسر ملك بيت المقدس وأرناط صاحب حصن الكرك الذي كانت له مواقف استفزازية كثيرة تجاه المسلمين حيث كان يعترض قوافل التجار ويستولي عليها ويمنع مرور قوافل الحجاج كما هدد بالزحف إلى مكة والمدينة للاستيلاء عليها وعندما اعتقل بعض المسلمين في قلعته أظهر الشماته فيهم وقال لهم باستهتار شديد دعوا محمدا يخلصكم من قبضتي.

فلما ظفر به صلاح الدين أسيراً عرض عليه الإسلام فأبى فضرب عنقه، وانتهت بذلك سطوة الصليبيين وجبروتهم وحلت بهم هزيمة ساحقة كانت بمثابة كارثة كبيرة حلت بهم وغدت فلسطين في قبضة صلاح الدين فشرع يفتح البلاد والمدن والثغور الصليبية واحدة بعد الأخرى لتستسلم حامية بيت المقدس وتسلم مفتاحها إليه دون قتال في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 583 هجرية الموافق 12 اكتوبر عام 1187 ميلادية.

وقبل أن ننهي هذه العجالة عن هذه المعركة الباسلة نلقي بعض الضوء على قائدها المظفر صلاح الدين هو يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن المظفر الملقب بالناصر صلاح الدين، وكان أبوه وأهله من قرية دوين في شرق أذربيجان وهي بطن من قبيلة الروادية الكردية وتنقل صلاح الدين بعد مولده إلى تكريت ثم الموصل ثم بعلبك ثم دمشق وحلب ثم إلى مصر التي حكمها 24 سنة ثم عاد إلى دمشق ليحكمها 19 سنة ثم توفي عن عمر يناهز (57) عاما تاركاً 17 ولداً وبنتا واحدة ولما فتحت خزانته الخاصة لم يجدوا بها سوى بضعة دنانير قليلة فرحمة الله على ذلك القائد الإسلامي الفذ الذي نال تقدير واحترام الأعداء قبل الأصدقاء.

فقد أعطى صورة مشرفة للإسلام والمسلمين فعندما دخل القدس لم يعامل من بها من مسيحيين مثل معاملة الصليبيين للمسلمين عندما دخلوها حيث قتلوا منهم الآلاف المؤلفة حتى سالت الدماء أنهاراً في شوارع القدس. أما صلاح الدين فعندما دخلها استعمل الرأفة والرحمة في معاملة المسيحيين فسمح لهم بمغادرة المدينة في غضون 40 يوماً بعد دفع فدية مقدارها عشرة دنانير ذهبية عن كل رجل وخمسة دنانير عن كل امرأة ودينار واحد عن كل طفل.

ومن لم يستطع دفع الفدية فقد تم بيعه في سوق العبيد. وبذلك أسدل الستار على الجولة الثانية من الحروب الصليبية التي شنها مسيحيو أوروبا على الدول العربية في القرن الثاني عشر.

على لاشين