أبو معن سليمان العيسى شاعر مُكثر، لم ينقطع مَددُ الشّعر عنه منذُ احتدمت في نفسه حماسة الشعر، وتدفّقت على لسانه، ولسان قلمه: قصائده ومقطعاتهُ وفرائد أبياته. وقد جمع قصائد وقطعاً من الشعر لها صفات خاصة، وكانت وليدة ظروف معيّنة وأدرجها معاً في ديوان مستقلّ سماه «الديوان الضاحك» انطلق فيه على سجيّته وتسامح في بعض الجوانب اللغوية والفنيّة ليقدّم صورة الحال في كل موضوع على حَبّتهِ كما يقول أهل الشام، أي كما حَدث بلا زيادة ولا نقصان!

وفي الدّيوان قطعٌ وقصائد متبادلة، في أَثنائها صُورة دَرّاجة يقفُ أمامها شابّ، دَخل في الصُّورة، مع الدرّاجة، التي كانت موضوع تلك المراسلات، وهذا موجز لذلك الخبر، مع الشعر الظريف، الطريف! تبدأ قصّة الدّراجة وصُورتها حين كان الشّاعر رئيس دائرة الثقافة والإرشاد في مدينة حلب، التابعة للوزارة في دمشق عام 1959، وكان مع لوازم (أشياء) الدّائرة درّاجة هوائية قيك؟كٌم خصّصت لإنجاز المهمّات الرّسميّة، يستعملها آذن الدائرة (فَراّش ومراسل)، وذات يوم فُقدت الدرّاجة فرفَع الشّاعر رسالةً إلى قائد شرطة حلب قال فيها:

في عهدك الميمون يا مُصطفى

درَّاجتي طارتْ من الدائرة!

درّاجة الإرشاد معروفة

تنسابُ في الشارع كالخاطرة

لو سُرقت في الليل لم ننزعج

لكنّ بعين الظّهر في الهاجرة

حمدتُ ربّي أنني لم يكن

عندي أُوتومبيلٌ ولا طائرة!

إلى أن قال في آخرها:

في عهدك الزّاهر يا سيّدي

تَبهدلت دائرتي الزّاهرة!

فأعاد ضابط الأمن رسالةَ الشّاعر وطلبَ منه وضع الطّابع القانوني (ورقة الدّمغة) فكتب الشاعر للضابط (واسمه مروان):

دائرتي رسميّةٌ يا فتى

مُعترفٌ فيها من القاهرة

فكيف تبغي طابعاً فوقَها

أَما ترى صيغتها ساحرة؟

(ذكَر القاهرة، فقد كنّا آنذاك في ظلّ دولة الوحدة: الجمهورية العربيّة المتحدة). فكان جواب الضابط مخاطباً الشاعر رئيس الدائرة:

نسيتَ الخَتْمَ والرَّقما

فلا تنسوهما أَبَدا

وليسَ الشّعر يُقنِعُنا

إذا ما الختمُ قد فُقِدا

فأَلصِقْ طابعاً فَوْراً

وأَرسلْها لنا سَندا

وإنْ أَبطأت في هذا

يكونُ اللصُّ قَدْ بَعُدا!.

فأجابه الشاعر في رد الجواب :

أَطعْنا الأَمر فالشَّكوى

عليها الختمُ والرَّقمُ..

ومازلنا بلا دَرَّا..

جَةٍ بالصّبر نعتصِمُ..

بهمّتكم سَيُخلع بَا..

بُنا يوماً ويُقتسَمُ!

وأرسل الشاعر رسالة تذكير، منها:

مَضى شهران لا رِجْلي استراحتْ

ولا دَرَّاجتي عادتْ إليّا

ويحلفُ لي أَخي مروان: إنّي

طَوَيْتُ جوانب (الشهباء) طيّا

وأسأل كلّ شخصٍ هل رأيتم

على الطّرقات عفريتاً شقيا؟

أيَسْرُقُ شاعراً سَرق اللآلي

أَغاريداً وقلّدها الثّريا؟..

يستغرب الضابط مروان أن يسرق أحدهم دراجة الشاعر وهو الذي (يسرق) لآليء الشعر ويجعلها كالقلادة! (يُثني على شعر سليمان العيسى)، والشهباء لقب مدينة حلب. قال الشاعر: في اليوم التالي: أرسل قائد شرطة حلب صورةَ لصّ وقد ضُبِطَ عنده اثنتا عشرة درّاجة، كانت درّاجة دائرة الإرشاد من بينها (وكانت الصورة منشورة في الصحف):

ضَبَطْتُهُ في الجريده

بعد الجُهودِ الشديدَه!

درّاجتي في يديهِ

تشكو الجَراحَ شريده

أَبا نضالٍ خُذوهُ

غَلّوا يديهِ وجِيْده

وأَدَّبوهُ لكي لا

يأتي ذُنوباً جَديده

عَلامَةُ الجُرْم تبدُو

في شارِبَيْهِ أكيده

درّاجتي في يَدَيْه

تدعوكَ، فهي الشّهيده!

وفي الصُّورة المنشورة: الدرّاجة المعنيّة المَسْرُوقة، والحرامي الذي ضُبطت معه، وتحت الصورة: «ضَبَط رجالُ المباحث الجنائية لصّاً سَرق حوالي 12 درّاجة وبعضَ البِغَال والخيول وبوشر التحقيق معه»!.. وهدأت المراسلات الشعرية بين دائرة الثقافة، وقائد شرطة حلب!!.

بقلم : أ.د. محمد رضوان الداية