كان لشهر ربيع الأول المبارك في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم حظ لم يشاركه فيه غيره من الشهور، ففيه أشرق نور جبينه صلى الله عليه وسلم على الوجود، وفيه أشرق نور الوحي إيذاناً بتبدد الظلام، وفيه تشرفت روحه الكريمة بالصعود إلى الرفيق الأعلى. وفى ربيع الأول سنة1427هـ أصدرت مجلة الأزهر كتاب «من الأدب النبوي» لفضيلة الشيخ إبراهيم الجبالي، عضو جماعة كبار العلماء حاليا، وعميد كلية اللغة العربية «سابقاً».

ويعرض المؤلف في بداية الكتاب لميلاد النبي في شهر ربيع الأول من عام 670 لميلاد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث أشرق على العالم نور المصطفى، وولد لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وكان ذلك في عام الفيل وهو العام الذي حمى الله فيه بيته الكريم من أن يدمره المغيرون ويطمسه المعاندون، فكان في ذلك مظهر يدل على أن العناية الإلهية لم تتخل عن هذه البقعة المباركة التي هي أثر خليله إبراهيم عليه السلام،

وظل النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس الخلوة بالنفس والبعد عن ضوضاء هذا العالم لعله يستريح من شروره أو يجد قوة على تفريج كروبه، فكان يذهب إلى غار حراء، حيث كان يجد فيه من الراحة بالخلو إلى نفسه، حتى كان شهر ربيع الأول من العام المتمم للأربعين من حياته الشريفة، فبدأه الوحي، وكان أول ما بدأ به الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح،

ومازالت الرؤى تتكرر حتى جاء رمضان فنزل عليه جبريل بأول سورة من القرآن سورة اقرأ، وبدأه وهو في الغار، فقال له اقرأ، فكان شهر ربيع الأول هو مطلع فجر الهدى الإلهي، ففيه ابتدأت حياته الشريفة صلى الله عليه وسلم وفيه ابتدأ مولد الوحي، وفيه ابتداء فجر العز والنصر المبين بالهجرة، وفيه انتقل صلى الله عليه وسلم إلى المكان الأعلى والمقام الأسمى حين اختاره الرفيق الأعلى لجواره، وحين قام بما عهد إليه به،

وحين تمت النعمة نعمة الهداية العظمى على يديه، وكملت السعادة الكبرى للنوع الإنساني ببعثته، وتجلت رحمة الله بذلك على الناس أجمعين، وتحقق قوله - عز وجل: «وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين» الطاعات تفرج الكربات في جزء آخر من الكتاب يتعرض المؤلف لمقولة أن الطاعات تفرج الكربات، ويدلل على كلامه بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه،

فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجئ فأحلب فأجيء بالحلابة آتي به أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتسيت ليلة فجئت فإذا هما نائمان: قال: فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم اني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا فرجة نرى منها السماء، ففرج عنهم، إلى آخر الحديث الذي رواه البخاري وغيره في عدة مواضع حسب ما حوى من فضائل وأحكام وفوائد: من بر الوالدين، وخشية الله حين استحكام أسباب الفتنة، وإجابة دعاء من اتقاه، وإكرام أهل طاعته، وكالتصرف في مال الغير بغير إذنه لمصلحته على ما سيجيء.

ويرى المؤلف إنك إذا فحصت الإنسان وأعضائه، وتتبعت آثاره لا تجد فيه عضواً يبلغ من الحظر وعظم الأثر ما يبلغ اللسان فله من كبير الآثار وعظيم الأخطار وجليل المنافع والمضار، ولقد كثر في السنة ما جاء في بيان خطره وشديد نفعه وضرره، قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ليقل خيراً أو ليصمت»،

والمثل الأعلى في هذا الباب قوله عز وجل:«ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء» أما عن الصوم فهو جنة من المعاصي بما رفع الصائم عن نفسه من قوة جند الشيطان، وهل للشيطان جند أعظم من امتلاء البطن بالطعام، والشراب فتقوى عوالم الشر، ويسترسل في اقتناء المشتهيات واقتراف المنهيات «ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه»، وهو بذلك جنة وسائر من النار والعذاب الأليم، وهو كذلك جنة الشياطين وتسلطه على النفس.

وفى نهاية الكتاب يقول المؤلف إن الدعوة إلى الاتحاد شعار كل مصلح، ومقصد كل ناصح، وغاية كل واعظ ومرشد، قال عز وجل «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً»، ولقد جاءت الدعوة إلى الاتحاد، وقررت عوامل تنميته في النفوس مستفيضة في كل أبواب الشريعة الغراء، وليس لمعترض أن يقول فما بالنا نرى المسلمين متفرقين إلا قليلاً منهم؟ فإنا نجيبه بأن هذا كقولك، فما بالنا نرى الكثير من المسلمين قد تركوا العمل بأحكام دينهم وغرتهم ملاهي غيرهم؟ والجواب عن هذا وذاك أن مرجع هذا إلى نفوسهم واتباع أهوائهم، لا لنقص في ضوء دينهم ونور هديهم.

القاهرة ـ أيمن رفعت: