يقول الله تعالى: «والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب » (النور: 39). يقول مالك بن نبي:ففي هذه الصورة الأخاذة يتجلى سطح الصحراء العربية المنبسط، والخداع الوهمي للسراب.فنحن أمام عناصر مجاز عربي النوع، فأرض الصحراء وسماؤها قد طبع عليه انعكاسها، فليس لنا ما نلاحظه فيما يتصل بالظاهرة القرآنية التي تشغلنا، سوى ما نجده في الآية من بلاغة،

حين تستخدم خداع السراب ، لتؤكد بما تلقيه من ظلال تبدد الوهم الهائل لدى إنسان مخدوع، يكتشف في نهاية حياته غضب الله الشديد، في موضع السراب الكاذب:سراب الحياة. وهذه الصورة عن السراب مألوفة للعرب بحكم معيشتهم في الصحراء وخبرتهم بها، ولذلك ساقها القرآن لهم في سياق سخريته من الكافرين بالله الذين يخدعون أنفسهم ويخدعون الناس، يما يقدمونه من أعمال توحي بالخير، وبأنها من أعمال الصالحين،

ولكن القرآن يقول لهم إن الأعمال مهما تكن سيئة أو حسنة، فإنها في المرتبة الثانية بعد العقيدة، فالعقيدة هي الأساس الذي يحاسب عليه الإنسان أولا، فإن تحققت فيه صفة الإيمان بالله، فله بعد ذلك أن ينتظر ثواب عمله، أما إذا انتفت عنه صفة الإيمان، فلن ينفعه بعد ذلك شيء، ويكون مثله في انتظاره ثواب أعماله، وانتفاعه بها عند الله، مثل المسافر الذي فقد الماء ثم رأى السراب فحسبه ماء، فيظل يطلبه ويسعى إليه حتى يدركه الهلاك دون أن يصل إلى شيء، كذلك هذا الذي ينتظر ثواب عمل كفره، يظل يمني نفسه بهذا الوهم حتى يصطدم بجهنم.

لقد اتضح لنا مما سبق أن القرآن فيما ساقه من مثل كان مجازاً عربياً استمد عناصر تصويره من البيئة الصحراوية، ومن طبيعة الأرض في الجزيرة العربية ولا شك أن الماء بها قليل، والتنقل في هذه الأرض يجعل المسافر فيها متزوداً بالماء، وربما نفد منه، فعاش على الأوهام والخيالات، ينشد الماء فلا يجده ويطلبه فلا يسعفه، وأظن أنه لن يغيب عن بال المسلم قصة السيدة هاجر وكان معها ابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام وكان صغيراً، وهما بجوار البيت العتيق قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت،

ونفد منهما الزاد والماء، وعطش إسماعيل فالتمست السيدة هاجر الماء هنا وهناك، ترى على القرب منها ماء فتذهب إليه، وترد النظر مرة أخرى إلى الوراء فلا تجد الماء، فكان هذا هو السراب الذي يحدث في الصحراء وقت أن تشتد حرارة الشمس، وتسقط أشعتها على الرمال فتحدث الإنعكاسات الضوئية، التي ينتج عنها أن تعكس الرمال وهج الشمس في صورة تموج بالضوء، فيحدث السراب، فيخيل للرائي من بعيد أنها ماء، فيستحث الخطى للحصول عليه، ولكن لا فائدة، هكذا حدث للسيدة هاجر ولكن أكرمها الله وأكرم ابنها بخروج الماء من (زمزم).

وكانت الخطوات ذهاباً وجيئة بين الصفا والمروة منسكاً من مناسك الحج كما يقرر القرآن:«إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكرعليم». ويصور لنا المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي هذا المثل في هذا القالب الذي ذكره موضحا روعة التعبير القرآني فيقول: فالله تعالى بضربه هذا المثل، يبين لهؤلاء(يقصد الكافرين ومن احتذى حذوهم) أن هذه الأعمال الظاهرة التى يرجون عليها النفع في الآخرة ليست في حقيقتها إلا كسراب في الصحراء، فكما أن الظمآن يحسب السراب ماء في الصحراء ويقصده ليشرب منه،

كذلك إن هؤلاء الكفار والمنافقين يقطعون مسافة الحياة الدنيا لينتهوا إلى حياتهم الآخرة لا يعتمدون في ذلك إلا على أعمالهم الكاذبة، ولكن كما أن الظمآن الذي يسرع إلى السراب في الصحراء ليشرب منه ولا يجده شيئاً عندما ينتهي إليه، كذلك إن هؤلاء الكفار والمنافقين عندما يدخلون منزل الموت بعد حياتهم الدنيا، لا يجدون فيها عملاً من أعمالهم ينقذهم من بطش الله تعالى وعذابه، يل سوف يجدون الله تعالى ليوفيهم حسابهم ويجازيهم على كفرهم ونفاقهم وسيئاتهم التي كانوا يعملونها في حياتهم الدنيا مختلطة ببعض الحسنات الظاهرة.

على أن المودودى يذكر أن هذا المثل للكافرين والمنافقين الذين يأتون بأعمال حسنة على كفرهم ونفاقهم ويقولون بالحياة الآخرة في جملة معتقداتهم ويظنون أن مجرد أعمالهم الظاهرة مع كونهم لا يؤمنون(يقصد الإيمان الكامل) سوف تنقذهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة. فالمثل هنا كان مصوراً للأعمال التي في ظاهرها الخير، ولكنها بنيت على الباطل، بخلاف المثل الثاني الذي سنتحدث عنه فيما بعد فقد صور غواية الكفر وضلال الكافرين.

يعقب د. البيومي على مثل أعمال الكافرين«والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاس » فيقول:تصور لهفة الظمآن الملتاع يلوح له السراب من بعيد فيتخيله ماء يشفي الغلة ويطير ملتهب الجوانح إليه حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ..ليته لم يجده شيئاً ثم أذن له بالرجوع ثانية إلى حيث يظمأ ويلتاع، ولكنه سيجد الله رقيباً محاسباً يقدم إليه صحيفة أعماله السوداء ليوفيه حسابه، والله سريع الحساب.

هذا المثل للعمل الضائع، وقد أشار إلى أن هذا المثل مثل أعمال الكفار الحسنة ضائعة «القرطبي». ويقول الحكيم الترمذي:مثل أعمال الكفرة كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا قدم عليه غداً أكذبه أمنيته، وساقة عطشان إلى النار، وهو قوله تعالى:«فوفاه حسابه» مستعداً لعذابه ويجازيه بعمله. ولو قارنا بين تعبير القرآن وتعبير آخر لوجدنا تعبير القرآن في القمة من الروعة. يقول د. أحمد جمال العمري: «وقوله تعالى:«كسراب بقيعة يجسبه الظمآن ماء»، ولو قال القرآن: «يحسبه الرائي» لكان جيداً،ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن، لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص».

وهذا الكلام الذي يسوقه لنا د. العمري مقتبس من كلام ابن أبي الإصبع الذي قال: «ولو قيل:يحسبه الرائي ماء »لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصاً عليه، وأكثر تعلق قلبه به، ثم عقب ابن أبى الإصبع على هذا بقوله: «وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من أحسن التشبيه وأبلغه، فكيف وقد تضمن مع ذلك حسن النظم، وعذوبة الألفاظ وصحة الدلالة وصدق التمثيل». ويقول البيضاوي في تشبيه الكافر بالظمآن وهو العطشان:وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند مسيس الحاجة.

هذا المثل القرآني الذي صورأعمال الكفار التي ظاهرها الخير والنفع ولكنها خلت من الأساس القويم وهو العقيدة . نقل لنا الأمر المعنوي إلى قالب حسي، فأخرجه من الغموض إلى الوضوح، فذهاب أعمال الكفار يوم القيامة ما كانت تفهم إلا بهذه الصورة التى تضمنها هذا المثل.

فالأمر المعقول أصبح محسوساً والخفى أصبح جلياً. وكما أشرت في مفتتح الحديث عن هذا المثل أنه وإن شاركته أمثال سبقت في الحديث عن مآل أعمال الكفار إلا أن التعبير في كل مثل ينحو ناحية معينة وبصورة تختلف عن صورة المثل الآخر، ولا أدل على ذلك من تصوير أعمال الكفار في سورة إبراهيم:«مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف»، فهذا تعبير يختلف عن المثل الذي نحن بصدد الحديث عنه وهو قوله تعالى:«والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء».

والصورة مختلفة، والمعنى واحد، وإن كان مبتكراً، لكن الصورتين اختلفتا. يقول د. عبد الحليم حنفي:ولئن كان المعنيان في هذا المثل (يقصد المثل في سورة إبراهيم ) ومثل السراب واحد، وهو عدم انتفاع أي إنسان بعمل من الأعمال ما دام غير مؤمن، إلا أن الأسلوب في المثلين، أوضح، لنا ظاهرتين من ظواهر الصحراء، وهما السراب، والعواصف والرياح. هذا أسلوب القرآن في تصويره، حتى يقترب المعنى من الذهن، ويستقر في القلب، ولا يجنح إلى الخيال المفرط، وإنما يعبر في قوالب صور مألوفة من البيئة لا يحس الكافر بغرابة، لأنها صور مقنعة.