هل يمكن الفصل في تحديد موقف الغرب من الإسلام والمسلمين بين الديني والسياسي ؟ موقف جاك سترو الأخير من النقاب يؤكد صعوبة ذلك ويكشف عن الارتباط الوثيق بين الجانبين. وإذا كان البعض قد أشار إلى احتمال وجود دوافع سياسية تهدف إلى إثارة المشاعر ضد المسلمين بشأن الضجة حول مسرحية «إيدومينيو»، مشككا في صدور تهديدات من قبل المسلمين من الأصل، فإن الأمر يتجاوز الاحتمال إلى نطاق اليقين بشأن استخدام الدين من أجل تحقيق أهداف سياسية بشأن موقف سترو.
فقد نشرت صحيفة لانكاشاير إيفنينغ تيليغراف البريطانية مؤخرا مقالا لوزير الخارجية السابق والنائب الحالي البريطاني جاك سترو دعا فيه النساء المسلمات اللواتي يرتدين النقاب إلى تليين موقفهن بعض الشيء، وذلك إثر لقائه مع سيدة مسلمة منقبة جاءت تعرض عليه مشكلة وتطلب منه المساعدة في حلها بصفته النائب عن الدائرة الانتخابية التي تقيم فيها. وتتحدد أهمية المقال من أهمية كاتبه وقد كان وزيرا للخارجية البريطانية، فضلا عن كونه نائباً عن منطقة بلاكبورن، والتي تضم الكثير من المسلمين، إلى جانب رئاسته مجلس العموم البريطاني.
يصف سترو السيدة قائلا : كانت ترتدي نقابا، عيناها كانتا مكشوفتين، لكن بقية وجهها كان محجوبا. أما ما حمل سترو على ذلك فهو حسب قوله ما بدا أنه تعارض بين الأمور التي تشير إلى أشياء مشتركة، كاللهجة الانجليزية الكاملة وتربية الزوجين في بريطانيا كاملا من جهة والحجاب من جهة أخرى. لكن السبب الرئيسي كان أنني شعرت بشيء من عدم الارتياح وأنا أتحدث «وجها لوجه» مع شخص لا يمكنني أن أراه.
غير أن سترو وفيما يشير إلى الهدف الحقيقي من مقاله، الأمر الذي يعبر عن هواجس يحياها، يشير إلى حقيقة القلق الذي يعيشه، كما يعيشه غيره، من هذا الاتجاه المتعاظم ولو أنه ما يزال على نطاق ضيق حسبما يقول على العلاقات بين أطياف المجتمع. ولذا فقد قرر رئيس مجلس العموم البريطاني ألا يكتفي بالمقال وإنما أن يحول الأمر إلى ما يتجاوزه من خلال ما يمكن اعتباره مقاومة إن لم يكن محاربة النقاب... فالبلاد ـ بريطانيا مبنية على الحريات.
لقد أثار مقال سترو قدرا من الجدل بين أبناء الجالية المسلمة في بريطانيا، ولا شك أنه من حق سترو أن يعبر عما يريده في بلده وبالطريقة التي يريدها. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا الآن؟ وبهذه الكيفية؟ وما هي أبعاد دلالاته كأحد أقطاب النخبة الحاكمة في بريطانيا؟
بعيدا عن المفردات التي تكشف عن حقيقة الذهنية الغربية، بشأن الإسلام والمسلمين ومن ذلك تأكيده إننا بلاد الحرية، والإشارة الخفية إلى الخوف من تنامي المظاهر الإسلامية وغير ذلك فإنه يمكن التأكيد على أن موقف سترو إنما يعكس نوعا من التكفير السياسي الذي لعله يراه ملائما لاستعادة وضعه إثر إقصائه من وزارة الخارجية البريطانية. من المهم هنا الإشارة إلى أن أحد أبعاد استبعاد سترو من منصبه، والذي جاء بطلب أميركي نقلته وزيرة الخارجية رايس إلى بلير،
هو كونه نائباً عن دائرة تسكنها نسبة كبيرة من المسلمين مما كان يعني حسب المصادر التي أشارت إلى ذلك إمكانية تأثيرهم على توجهاته في إطار حرصه على كسب أصواتهم. فهل يتصور سترو بذلك أنه ينفي عن نفسه التهمة؟ ربما. في إطار سعي سترو إلى الصعود السياسي لم يجد سوى استغلال قضية يعلم أنها ستلقى نوعاً من التأييد على مستوى الناخب البريطاني بشكل عام.
لا نريد أن نذهب بعيدا في تفسير موقف سترو لكنه لا يختلف كثيرا عن موقف القطاع العريض من النخبة الأوروبية والتي يبدو أنها تلتزم موقفاً يتسم بالحذر من تنامي المظاهر الإسلامية، على غرار ما أشرنا إليه من قبل بشأن موقف المستشارة الألمانية ميركل. وتلك هي الأزمة الحقيقية في علاقاتنا مع الغرب.
مصطفى عبد الرازق
