في ظل بزوغ أيديولوجيات فكرية عديدة في نطاق الفكر الإسلامي بدا مؤخراً الصراع الدامي بين تلك الأيديولوجيات التي تدعو للفصل التام بين الدين والدنيا، وغيرها التي ترفع شعار «الإسلام دين دولة، عقيدة وشريعة، مصحف وسيف»،

هذه الشعارات والعبارات التي رفعها الإسلاميون موضحين أن طبيعة الإسلام لا تسمح بمثل هذا التقسيم الذي يجعل سلوك البشر خارج نطاق السيطرة والرقابة، في بعض الأحيان متأثرين بنظريات الفكر الليبرالي التي تجعل من سلوك الفرد حرية وتفرد بما لا يضر الآخر، ومن ثم كانت الشعارات الإسلامية الضارة التي ترفض هذا التحرر الأعمى الذي من شأنه أن يعم الفساد وتنهار روحانيات الحضارة الإسلامية. وفي الإطار ذاته شب صراع من نوع آخر بين أنصار هذا الفكر الإسلامي التقليدي ودعاة التحرر حول الحلول النموذجية التي يمتلكها الإسلاميون للكثير من قضايا المجتمع الذي يعاني من انهيار حضاري مشهود في مختلف مناح الحياة، رغم رفعهم لهذه الشعارات البراقة التي ينساق وراءها العامة من المسلمين، فماذا يقول الإسلاميون عن هذه الشعارات التي يتبنونها، وما تصورهم لبعث الهوية الإسلامية من جديد واحياء الشخصية الإسلامية ذات الفهم المتكامل لدينها؟

يقول الشيخ الراحل محمد الغزالي في أحد كتاباته: إنني كلما أشرح عبارة « الإسلام هو الحل » لابد أن أعود إلى الوراء قليلا وأعني ما لاقته الدولة الإسلامية على أيدي الاستعمار العسكري من استنزاف واستغلال للموارد ثم رحل الاستعمار العسكري تاركا استعماراً آخر من شكل جديد يتمثل في استعمار تربوي وثقافي، جعل شخصية المسلم مشوهة أو في طريقها إلى ذلك، كان الهدف ابعادنا عن تراثنا وهويتنا،

وإذا ما حاولنا العودة إلى تراثنا التشريعي نجد المستعمر يريد إبعادنا عنه لنعمل القوانين الوضعية التي تناسب أهواء المستعمرين، وهذا يتمثل فيما فعله المستعمر الذي أراد أن يجهز على بعض الآيات القرآنية ليتحقق له ما يريده، مثل ما أراده من تجاهل للآية الكريمة: « ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب».

ويضيف: أدري لماذا يعترضون على أحكام الإسلام في حين أننا نجد أن الشرع سواء في اليهودية أو المسيحية أو الإسلام قد حرم الزنا والشذوذ، بينما نجد أن الشورى الوضعية الغربية جعلت مجلس العموم البريطاني ومجلس اللوردات يوافقون على جواز هذه الحرمات، فكيف يلومنا الناس عندما نطالب مواجهة الغزو الثقافي والاستعمار التشريعي والاستعمار العسكري حتي يصبح الدين لأهله والإسلام لأهله، ويكون كله لله عز و جل؟!

إن اليهود يحكمون بشريعتهم، وإذا طلبنا من الحكومة الإسلامية أن تقاوم الحرب على الإسلام وتعيد الحق المهيض،اتهمنا بشتى أنواع التهم ووصفونا بالتعصب.. ولا أدري لماذا هذا الحقد الغريب على الإسلام والقرآن والسنة والتراث؟ دين ودولة المستشار مأمون الهضيبي مرشد جماعة الإخوان المسلمين الراحل يؤكد أن أحكام القرآن تؤكد أن الإسلام دين ودولة، وآيات الأحكام موجودة في النص القرآني « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» وفي حديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي ». فماذا يراد من المسلمين..

وهل يجوز أن يقوم الإسلام بدون دولة؟.. ألم يكن رسول الله نبيا وقائداً ومقاتلا وحاكما؟ إذن الدولة مطلوبة لتنظيم شؤون الجماعة،ولا يمكن أن تنفصل عن عقيدة الجماعة، إننا عندما ابتعدنا عن الإسلام ولم نأخذ بأساليب القوة، أصابنا الهزال والضعف وركبنا الاستعمار. ويضيف «رحمة الله عليه» إنه صراط الله المستقيم نأوي إليه ليعصمنا بكل معنى العصمة، يعصمنا من الزلل والتفرق، وعلى الأمة أن تتماسك في عقيدتها وتفكيرها ومنهجها وتطبيقها حتى تتحقق لها القوة التي يمكنها بها مواجهة أعداء الاسلام حتى لا يضعف شأنها والله تعالي يقول « يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ».

تحرير القانون يدعو د. مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: كل مواطن مسلم أن يجاهد في تحرير القانون الإسلامي من دنس القوانين العلمانية والغربية التي هي حجر من أحجار الاستعمار، ويكفي أن المستشرقين اعترفوا بأن الشريعة الإسلامية متطورة على الدوام، فالدولة بدون دين يستحيل إقامتها.. فمن سيحافظ على جباية الضرائب ويلتزم بالزكاة والجهاد لحماية أركان الدولة؟

فالعلمانيون يريدون أن يحرموا الإنسان المسلم من أبسط حقوقه، وهو أن يحكم بما يريده هو بنفسه.. فعندما كنا نحكم بالإسلام سدنا العالم، ولم نتخلف إلا عندما تخلينا عن إسلامنا. ويضيف : إن مفاهيم الدولة الدينية والمدنية مفاهيم سياسية قديمة ومعروفة.. فالتاريخ القديم يقول:إن الملوك قبل الإسلام كانوا يحكمون بالحق الإلهي سواء كان هذا حقيقة أم زيفا وبعد قيام الدولة الإسلامية أصبحت هذه الأمة مصدر السلطات.. والفرق بين الدولتين أن الأولى الدينية تستمد سلطاتها من إرادة السلطان الذي يفترض أنه مفوض بحق إلهي للحكم على الناس، أما الدولة المدنية فالسلطات مستمدة فيها من الشعب.

وأنا أريد أن أؤكد أن الإسلام يرفض هذه الثنائية المزعومة ويرفض التفريق بين علاقة السياسة بالدين، لأن الارتباط بينهما يمكنه مساعدتنا على انعاش الايمان وتجاوز أزمة تفكك النسيج الاجتماعي، كما يمكن للإسلام بنظرته القائمة على ارتباط كل شيء بالله، أن يكون أساسيا تحررا ونضالا من كل أشكال التسلط والعبودية المفروضة على الإنسان بحجة أطروحات مزيفة تبعده عن أصالته ومركزه.

دينية ومدنية ويشير الداعية الإسلامي محمد الراوي إلى أن القرآن أوضح أن الملوك والأنبياء يستمدون سلطاتهم من تشريع وحكم الله وعلى سبيل المثال: ما جاء في القرآن الكريم يقول « واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم أنبياء»، « إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا».. اذن فالملوك يستمدون سلطاتهم بهيبة وفضل من الله أحيانا، والأنبياء يستمدون سلطاتهم من الله دائما.. وهنا يأتي الفارق بين حكم وحكم،

حيث أن الملوك يحكمون الناس، أما الأنبياء فيحكمون بين الناس، وإذا كانت الحكومة تستمد سلطاتها من الشعب فهي حكومة مدنية ونحن نجد أن القرآن حين يصف سليمان فقد جمع فيه سلطتين دينية ومدنية، وكذلك داود. و يرى أن الله عز وجل اختار الأمة الإسلامية من بين الأمم لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وجعلها وسطا بين الأمم ليكون المسلمون شهداء يوم القيامة، والذي نريده من الأمة العودة إلى الله بالتوبة والاستغفار والخضوع وكثرة الذكر في الرخاء والشدة، لأن هذه الأمور هي وصية الرسول ، حينما قال لمعاذ بن جبل ( اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).

قضايا صعبة

وتشير د. فتحية النبراوي استاذة الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر إلى أن « الإسلام هو الحل » لأن القرآن هو كلام الله والله الذي خلقنا ويعلم دون غيره أين صالح الناس؟ وعندما تؤول السلطة إلى حكومة إسلامية فإن واجب هذه الحكومة تطبيق تعاليم الاسلام البسيطة والسمحة في جميع قضايا المجتمع بالحلول التي يرشدنا إليها القرآن، فنحن لا نستطيع أن نقدم الحلول لمشاكل الدول ونحن في عزلة، والقرآن يجب أن يطبق كاملا وحينئذ فقط يمكن ترتيب كل شيء لإرضاء الناس وإسعادهم، ولعل السبب في اعتناق الإسلاميين هذا المدخل الدقيق اللطيف،

هو افتقارهم لوجود أفكار لديهم في شكل محدد للقضايا الصعبة والمعقدة التي تواجه بلادهم، وهم أيضا إذا اضطروا إلى مناقشة أمور محددة فإن جهلهم سيكشف للناس، سواء في الأمور الاقتصادية أو السياسية. وتذكر أن القضايا الاجتماعية هي القضايا الوحيدة التي يملك الإسلاميون أفكارا محددة لها، فهم يشعرون أنهم متفهمون لهذه المشاكل التي لا تحتاج إلى خبرة فنية، والأهم من ذلك أنه يمكن إرجاعها إلى أحكام الشريعة،

فقضايا سلوكيات المرأة داخل وخارج بيتها يمكن تطبيق نصوص القرآن عليها مثلما كان يحدث في القرن السابع، إضافة إلى أن الإسلاميين يعلمون جيدا أن الأمور تلقى قبولا لدى الفقراء حيث يعيشون في ظلها، فهم لا يشربون الخمر ولا يقترضون بالربا أو الفائدة، ولا يسمحون لنسائهم بالخروج خارج البيت وهم مسافرون، بل هؤلاء الفقراء لا يؤيدون سلوك الطبقات الغنية التي تقلد الغرب، ومن هنا يميل الإسلاميون إلى طرح أفكارهم الاجتماعية وسياساتهم الاجتماعية لدى العامة، فهم لا يجدون أية مشقة إزاء الإصلاحات الاجتماعية التي يطرحونها إذا ما دانت لهم السلطة.

ويقول د. عبد المعطي بيومي بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: يجب أن يعرف الناس أننا إسلاميون ومعنى الحكومة الإسلامية أن يكون نصفها وحي من الله، ونصفها الآخر عقل يبحث عن مصلحة المجتمع تبعا للظروف والإمكانيات الخاصة به، أما إذا أردنا الابتعاد عن حكم الله وحكم العقل فأي حكم هذا؟ إن الإسلام منذ ظهر استطاع أن يؤسس دولة عظمى، وبعدما أصابنا من مصائب الاستعمار الذي تعمد تغريبنا عن ثقافتنا وتراثنا وهويتنا، هوينا إلى الحضيض، وتكالب علينا الاستعمار لضعفنا،وتخلينا عن التراث الإسلامي، ونحن نريد للأجيال الجديدة الرجوع لدينها، وأية معارضة لهذا هي عصف بحقوق الإنسان.