د. نصر فريد واصل ، مفتي مصر الأسبق ، أحد المفكرين الإسلاميين، والذي يحوز على قبول شعبي جارف، نظرًا لبساطته واقترابه من رجل الشارع العادي إضافة إلى إقدامه وجرأته المعهودة في الإفتاء بدون التأثر بما يسود من تيارات سياسية، يحرص دائمًا على حمل الأمانة التي تدعو إلى الهداية ونشر العلم بين الناس وجعلهم مشاعل مضيئة تنير الطريق للسالكين. أكد أن مشروع القمر الصناعي الإسلامي الذي تقدم به أثناء توليه الإفتاء في مصر يمثل حلاً جذريا لإشكالية استطلاع الهلال، وما يحدث بشأنها من خلاف بين الدول الإسلامية المختلفة، موضحًا أن شهر رمضان يمثل له فرصة لتكثيف النشاط، فيما يتعلق بتدريس كتاب الله والاجتهاد والبحث عن كل جديد في علومه المختلفة.
وأجاب د. نصر في حوار لـ ( وكالة الصحافة العربية ) على مختلف التساؤلات التي تثار في عقول الأمة الإسلامية النابضة بالفكر القويم خاصة في ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون منذ أحداث 11 سبتمبر، والتي كان آخر تداعياتها الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على لبنان، وما ارتبط بهذه الاعتداءات من انقسام عالمي حول حق الشعب اللبناني في مقاومة هذه الاعتداءات الآثمة والذي تمثل في قوة حزب الله الصامد أمام تعنت وغطرسة الآلية العسكرية الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، وغير ذلك من التساؤلات التي يتناولها الحوار في السطور التالية: ـ كلما جاء شهر رمضان أثيرت إشكالية الهلال والخلاف الحاصل فيها بين مختلف البلدان الإسلامية.
* كيف يمكن توحيد الرؤية بين الدول الإسلامية؟ ـ استطاعت مصر مؤخراً أن تتغلب على هذه المشكلة وأصبحت الرؤية الشرعية للهلال تعتمد بشكل كبير على الاستفادة من الجانب العلمي القطعي والدقيق، وبالتالي أصبحت الحقيقة الشرعية معتمدة على الحقيقة العلمية، ونحن في ذلك نسير على المنهج الذي أقره مؤتمر التقويم الهجري الموحد عام 1419 هجرية بالمملكة العربية السعودية، وضم 18 دولة إسلامية لتحديد رؤية الأهلة والتقويم الهجري الموحد، وكذلك وضع الضوابط الشرعية لرؤية الهلال لكل الشهور العربية ، ورغم أن الخلاف الحاصل بين البلاد الإسلامية ظاهري إلا أن قرارات المؤتمر جاءت لتؤكد أن إذا ما ظهر الهلال طبقا للقواعد والضوابط الشرعية، هنا أو هناك على جميع الدول أن تلتزم بذلك، ورغبة مني في تأكيد هذا الاتفاق تقدمت منذ سنوات أثناء عملي كمفتي لمصر بمشروع القمر الصناعي الإسلامي.
رؤية الأهلة
* وهل لك أن تشرح لنا باختصار فكرة هذا المشروع الذي تقدمت به؟ طالبت بضرورة إطلاق قمر صناعي إسلامي يدور حول الأرض كل ساعة ونصف دورة كاملة لتحقيق الرؤية الواضحة للأهلة وبثها لجميع بلاد العالم الإسلامي، وبالفعل تمت الموافقة على المشروع الذي تقدمت دار الافتاء بدورها به وتبنته منظمة المؤتمر الإسلامي، وتقدمت الشركات العالمية بعروض لتنفيذه وتم بالفعل جمع تبرعات من مختلف البلدان الإسلامية وجاري الآن السير قدما في تنفيذ المشروع تحت إشراف مركز دراسات بجامعة القاهرة.
*ماذا يمثل لك شهر رمضان؟ ـ أذكر أنني بدأت الصيام وأنا في سن الخامسة، ولم أكن أدرك وقتها قيمة الصيام كعبارة، ولكن كان صيامي تقليدًا للكبار، وكان صيامي في هذه الأثناء ينتهي عند صلاة الظهر، وذلك حسب ما كان يقول المحيطون بنا من أفراد الأسرة الذين يكبروني في السن.
وفي سن السابعة عرفت قيمة الصوم ووجوبه على المسلمين كركن من أركان الإسلام الخمسة ومن يومها لم أفطر يومًا في هذا الشهر الكريم ، وعندما التحقت بالدراسة الأزهرية! إزداد وعي بفضل هذا الشهر الكريم، الذي كرمه الله بأن خصه بالصيام لأنه هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم على النبي صلي الله عليه وسلم، ولهذا استحق أن يعبد الله فيه بتلك العبادة الروحية الخاصة وهي الصيام، ومن ثم أصبح ولا يزال شهر العبادة والتحصيل العلمي في الجامعة والانتاج العلمي بعد ذلك، فقد وفقني الله تعالى أن أنجز معظم مؤلفاتي خلال هذا الشهر، حيث كان سبحانه وتعالى يهيء لي بفضل شهر رمضان وبركته الأجواء المناسبة للبحث والاطلاع والكتابة.
*وكيف يكون يومك في شهر رمضان؟ ـ يستقبل المسلمون هذا الشهر بالترحاب ويستعدون لمقدمه بالحب والفرحة والتواد والتراحم، يجعلونه شهرًا للعبادة والسعادة، ففي هذا الشهر أحرص دائمًا على تكثيف نشاطي في قراءة القرآن ومراجعة ودراسة بعض القضايا الفقهية ومطالعة بعض الكتب، بالإضافة إلى ذلك نجيب على استشارت وتساؤلات المسلمين وعن مشكلاتهم وممارسة بعض المهام الأخرى مثل المشاركة في الندوات والأمسيات الدينية، التي أدعو إليها والقيام بمقتضيات عملي كأستاذ بالجامعة من إلقاء المحاضرات أو المشاركة في الإشراف أو المناقشة المتعلقة بالرسائل الجامعية.
ثقافة خاطئة
* بداية كيف تقيمون الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في ظل استمرار الحملة التي تقودها الولايات المتحدة تحت زعم (محاربة الإرهاب)، تلك التي تجلت في الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان؟ ـ نحن أمة نتخضب في دمنا من ظلم أميركا واحتضانها لإرهاب الدولة الغاصبة إسرائيل، وأعتقد أن التهم الموجهة لنا من قبل الغرب ليست جديدة على العالم الإسلامي لأنهم من الأزل يقولون عنا «إرهابيون » وهذا جزء من الثقافة الخاطئة التي نشأ عليها الغرب والتي زورت المفاهيم العربية والإسلامية.
وأرى أنه إذا أطلقت كلمة الإرهاب فلابد أن تطلق على الممارسات الوحشية ضدالإسلام والمسلمين اليوم، لأنه الوحيد في العالم الذي يرفض الظلم والاستبداد في وقت سكت فيه العالم بأكمله، وبقي مبدأ واحد يقول للظلم «لا» وهو الإسلام الذي ينسب إليه ما ينسب، فأميركا وراء هذا التزوير، فالبطل من وجهة نظرها صار إرهابيا والمحتل هو المتحضر وأصبحوا يتشدقون بعبارات غريبة ليس لها أساس مثل مصطلح (صراع الحضارات) وغيرها.
* وهل ترى أن إسرائيل لها دور في تصعيد حدة الهجوم على الإسلام والمسلمين مستفيدة في ذلك من أحداث11 سبتمبر؟ ـ بالتأكيد، المستفيد الأول من وراء كل الذي حدث الآن هو إسرائيل، فهي تفرض وجودها من تأليب النفوس على بعضها، تستنهض العالم والولايات المتحدة الأميركية ضد العرب والمسلمين، وقد نجحت في ذلك إلى درجة كبيرة، وبالتالي فعلى الولايات المتحدة ألا تكون لعبة في يد إسرائيل تحركها كيفما تشاء، وكذلك على جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي الوقوف بقوة ضد الحملات المغرضة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون، علمًا بأن هذه الحملات لم تتوقف عند هذا الحد بل تعدت إلى أن تجرأ الصهاينة على الاساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما حدث مؤخرًا.
بل زادت هذه الاستغلالية بالسعي وراء تنفيذ مخططاتها الاستعمارية مستندة في ذلك على الشرعية الزائفة التي توفرها لها الولايات المتحدة الأميركية فتعتقل وتقتل شعب فلسطين، وتغتصب الحقوق اللبنانية، وتحتل أراضيها الخضراء لتحرقها بنظرتها وحقدها الأسود غير عابئة بالشرعية الدولية.
* وما رأيكم فيما يحدث الآن في القدس من تفجير الشباب الفلسطيني لأنفسهم داخل مستعمرات العدو، هل يعتبر هذا انتحارًا كما أفتى البعض؟ ـ الإسلام مع السلام، والحرب في الإسلام ضرورة قصوى للدفاع عن الأرض والعرض، وما يحدث الآن في فلسطين من أراض تحتل وأعراض تستباح وعقائد تنتهك، وكذلك ما يحدث على الصعيد اللبناني كل هذه أمور تستنفر أحساسهم ليدافعوا عن الأرض والدين والوطن، وهذا الدفاع هو دفاع شرعي وقانوني وديني ،
ولكن المغتصب يستعمل القوة المادية، ولهذا فنحن معهم ونقول لهم سيروا على بركة الله وتمسكوا بحقوقكم ودافعوا عن دينكم وأوطانكم وعندما تستشهدون فأنتم تفعلون ذلك في سبيل الله، ومن مات في سبيل الله يخلد في الجنة وهو شهيد لقوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءً عند ربهم يرزقون)، وكل مسلم يتمنى الشهادة، لأن الإنسان لا يعلم هل سيصل لما يتمناه أم لا، وقول أبي بكر الصديق (لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمي في الجنة)،
والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه أن من مات شهيدًا فهو عند الله سبحانه وتعالى حي يزرق في الجنة، وأنا أول من سيقدم نفسه للشهادة بهذه الطريقة لو أتيح لي ذلك دفاعًا عن الدين والوطن، ولكن بطريقة تنظيمية وأن تكون هناك استعدادات مسبقة وبتنظيم من أهل الاختصاص والحكم، وأن نتخذ ما نقدر عليه من الدعم المادي والمعنوي لكل هؤلاء المجاهدين في فلسطين ولبنان وغيرها من بلاد الإسلام التي يتعرض شعبها لظلم بين.
تخلف وغرور
* ما رأيكم فيما يتردد حول اعتزام إسرائيل بناء معبد الهيكل اليهودي في موقع الحرم المقدس؟ مثل هذه الخطوة قد تشعل حربًا عالمية ثالثة، وذلك لا يمكن حدوثه أبدًا لأن المسلمين لن يسمحوا لليهود بتدنيس حرمهم المقدس، وأعتقد أن هذه الأقاويل التي تتردد هي من قبيل الصلف والغرور الإسرائيلي ولذلك فأنا أطالب بسرعة توحيد الصفوف العربية والإسلامية وخاصة بعد قرار الكونجرس باعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، لأن ذلك من شأنه ردع القوة والغرور الصهيوني والأميركي الزائف.
* في ظل ما يسمى بـ (حوار الأديان)، هل تقبل كعالم إسلامي التحاور مع حاخامات من إسرائيل؟ ـ في ظل هذه الأوضاع غير المستقرة لا أقبل بأي حال من الأحوال، كيف أتحاور معهم وهو يفتون بجواز القتل والتدمير المنافي لأبسط حقوق الإنسان ، ولهذا فأنا لا أستطيع أن أجلس معهم على مائدة واحدة للحوار أو المناقشة.
في ظل تبني المسلمين لخيار السلام فهل ترى ضرورة لإحياء فقه الجهاد أم سينظر إليه كنوع من الأرهاب والدموية؟ الإسلام دين متكامل، فلا تستطيع الفصل بين فقه الجهاد أو غيره، فالجهاد من شريعة الإسلام ومن العقائد الأساسية وهو ليس بجديد، وإنما نحن نتخذ طريقة من الطرق التي ندافع بها عن أرضنا وديننا، ولا يصح أن نقول ان الجهاد قد ألغي ثم نحييه، لأن الجهاد هو الوسيلة الأخيرة للدفاع عن الأرض والوطن العربي،
واعتقد أنه لا توجد دولة واحدة لا تسمح بأن تستخدم الجهاد للدفاع عن أرضها وأولادها، والجهاد بمعنى الحرب والقتال هو آخر مرحلة ينظر لها الإسلام وله صور كثيرة وهو يكون في كل ميادين الحياة فقد قال الرسول الكريم عندما عاد من إحدى الغزوات «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ويقصد به محاربة الشهوات وشيطان النفس، والآن نحن نحتاج لجهاد النفس جهاد التفرد والعزلة والشتات والسلبية الصادرة من أكثر من مليار ونصف مليار مسلم أمام مواقف إسرائيل، فلو صدر عن المسلمين قرار موحد سوف نوقف إسرائيل عند حدها، وما يصدر عن مجاهدي حزب الله دليل على قوة المسلم في جهاده المشروع.
سلاح المقاطعة
* هل تعتقد أن سلاح المقاطعة مع إسرائيل يكفي لتحجيم أفعالها ضد المسلمين اليوم؟ ـ أعتقد أنه حل من الحلول المطروحة في ظل حالة التهاون والضعف المسيطرة على المسلمين اليوم والتي تزيد اليهود قوة وغطرسة ولذلك فإن أضعف الإيمان للمسلمين اليوم هو المقاطعة ليس مع اسرائيل فقط ولكن مع كل من يتعاون معها سواء بالأنفس أو الأموال أو الأسلحة، فالمقاطعة هي نوع من أنواع الواجبات الدينية والوطنية على المسلمين.

