روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفاً يوم أحد فقال: «من يأخذ هذا مني؟» فبسطوا أيديهم، كل إنسان يقول: أنا أنا، فقال: «فمن يأخذه بحقه؟» فأحجم القوم، فقال أبو دجانة (سماك بن خرشة رضي الله عنه): أنا آخذه بحقه، فأخذه، ففلق به هام المشركين.
المناسبة التي قيل فيها هذا الحديث الشريف غزوة أحد، وتحديداً عندما نظم النبي صلى الله عليه وسلم صفوف الجيش، وحرضهم على القتال، وحضهم على الثبات والمصابرة، وبث فيهم روح الحماس والشجاعة، عندها جرد النبي صلى الله عليه وسلم سيفاً باتراً، ونادى ذلك النداء المؤثر «من يأخذ هذا السيف» فاستشرفت نفوس الصحابة جميعاً لذلك.
وانطلق كل منهم يقول أنا أنا، ظناً منهم أن ذلك العرض غير مشروط، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كرر ذلك النداء منوهاً بشرط محدد للحصول على ذلك السيف عندما قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟» عندها أحجم الصحابة عن ذلك الأمر.
وفكروا ملياً في ذلك الشرط وقدروا ما لديهم من إمكانيات للوفاء بذلك الشرط، وهنا خرج واحد منهم قدَّر مالديه من طاقة تقديراً دقيقاً، ووجد في نفسه من الهمة العالية، والشجاعة الراسخة ما يمكنه من الوفاء بحق ذلك السيف، وهذا الصحابي هو أبو دجانة رضي الله عنه، الذي قال:
أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السيف، وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت، فلما عصب رأسه بتلك العصابة، وجعل يتبختر بين الصفين، حينئذٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن».
واللافت في هذا الحديث أمران: أولهما تردد الصحابة في أخذ السيف عندما علموا أن ذلك الأخذ مشروط، حتى يتأكدوا من أنفسهم قدرتهم على الوفاء بالعهد، وهذا يدل على تمتعهم بخلق الوفاء بالعهد والأمانة، فهم لايعطون عهداً إلا إذا كانوا واثقين من الوفاء به، وهذا يظهر أثر تربية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفوس أصحابه رضي الله عنهم.
وأما الأمر الثاني الذي شكَّل وقفة تربوية موثرة في ذلك الموطن، فهو أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في عرض ذلك السيف، من خلال ندائه على أصحابه، وهذا الأسلوب يهدف إلى بث روح المنافسة الكريمة بينهم، واستنهاض هممهم وإلهاب عواطفهم، وإثارة حماسهم وكشف أصحاب الكفاءات والبطولات لوضعهم في الأماكن المناسبة لهم.
هذه وقفة تربوية نبوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها جاءت في تربية النفوس على حب الجهاد في سبيل الله، وهذا النوع من التربية يكمل أنواع التربية الأخرى التي يستقيم بها حال البلاد والعباد.
د. أبوبكر علي الصديق